نفسه جني] [1] . وهناك أجوبة أخرى عن حديث معاذ لا أرى وجهًا للإطالة بذكرها.
(ج) دليل آخر احتج به من أطلق العذر بالجهل، وهو قوله تعالى (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) المائدة: 112. فقالوا: شك الحواريون في قدرة الله على إنزال المائدة، وهذا الشك كفر، ولكن عُذروا بالجهل، مع أن النص ليس فيه إشارة لذلك.
وأجاب الذين لا يعذرون بالجهل مطلقا: بأن القراءة الأخرى (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) أي هل تسأل لنا ربك أن ينزل مائدة؟ وعلى قراءة (هَلْ يَسْتَطِيعُ) فمعناها: هل يجيبك؟، وهذا وجه صحيح في لغة العرب.
وعلى القول بأن سؤالهم شك في القدرة، فيقال في الجواب ما قيل في حديث ذات أنواط أنهم حديثو عهد بالدين، أو يقال فيها إن الجهل ببعض صفات الله ليس كفرًا بالضرورة كما نقلته عن ابن تيمية.
فهذا بعض ما استدل به الذين أطلقوا العذر بالجهل، وكما ترى فإنه ليس لهم دليل معتبر إلا الأدلة الواردة بالعذر في حالات خاصة وأخطأوا في تعميمها.
وبالنسبة للأدلة الثلاث الأخيرة أحب أن أنبه على أمرٍ هام فات المتكلمين في هذا الموضوع، وهو القاعدة الأصولية التي تنص على أنه (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة) . وذلك لأن الكفر من عظائم الأمور التي لا يُسكت عنها، وحيثما وقع جاء البيان الإلهي أو البيان النبوي بالتنبيه عليه:
فمن البيان الإلهي: قوله تعالى (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 66، وقوله تعالى (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) التوبة: 74، وقوله تعالى (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) الكهف: 37.
ومن البيان النبوي: قوله صلى الله عليه وسلم - في حديث ذات أنواط - (قلتم كما قالت بنو إسرائيل(اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) ) الحديث.
فحيثما وقع الكفر جاء التنبيه عليه لعظم خطره، وعدم النص على الكفر أو التنبيه عليه في سؤال الحواريين، وفي سجود معاذ يدل على أن هذه الأمور غير مكفرة، فلا يرد فيها القول بالعذر بالجهل من الأصل. هذا وبالله تعالى التوفيق.
وهذا آخر ما أذكره في الفصل الثاني الخاص ببيان حجة الله التي يقع بها التكليف، وأنه يقع بالحجة الرسالية.
(1) (السيل الجرار) 4/ 580