(التاسع) أن في أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان، فيتركون الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه، فكيف يقال إنه ليس في الوسع.
فإن قيل: فالآخرة دار جزاء، وليس دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأما في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع، وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف. وأما في عرصة القيامة فقال تعالى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) القلم: 42, فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حسًا عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم ولا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) القلم: 43 دعوا إليه في وقت حِيلَ بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه «أنا ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا» - فذكر الحديث بطوله: إلى أن قال - «فيقول تتبع كل أمة ما كانت تعبد. فيقول المؤمنون: فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كُنا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا - مرتين أو ثلاثا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون نعم. فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقا واحدا كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رءوسهم» وذكر الحديث. وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب في الدنيا طوعا واختيارا أجاب في البرزخ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا منع منها في البرزخ، ولم يكن تكليفه في الحال وهو غير قادر قبيحا بل هو مقتضى الحكمة الإلهية لأنه مكلف وقت القدرة وأبى، فإذا كلف وقت العجز وقد حِيلَ بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة. والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار: وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف في عرصة القيامة، فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. فعلم أن الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى الحكمة هذا القول. والله أعلم) [1] .
(1) (طريق الهجرتين) 397 - 401 - - وكلام ابن كثير في تفسيره (3/ 28 - 31) مثل كلام ابن القيم، بل دونه. وذكر حديث العرصات أيضا: ابن حزم في (الفصل) 4/ 105، وذكره السيوطي برواياته المختلفة في كتابه (الحاوي للفتاوى)
2/ 356 - 359، ط المكتبة العصرية 1411 هـ