فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 1285

ففي معرِض كلامه عن التوبة، ذكر ابن القيم مراتب تسلُّطِ الشيطان على العبد، فقال رحمه الله [النظر الرابع: نظُره إلى الآمر له بالمعصية، المزيِّن له فعلها، الحاضِّ له عليها، وهو شيطانه الموكَّل به. فيفيده النظر إليه وملاحظته: اتخاذَه عدوًّا وكمال الاحتراز منه، والتحفظ واليقظة والانتباه لما يريد منه عدوه وهو لايشعر، فإنه يريد أن يظفر به في عقبة ٍ من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى مادونها إلا إذا عجز عن الظَّفَر به فيها] . ثم ذكر ابن القيم هذه العقبات السبع ونذكرها باختصار وتصرّف من عندنا، وهي:

العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، فإذا ظفر الشيطان بالعبد فيها فقد بلغ مراده منه، وإذا نجا العبد من الشيطان في هذه العقبة، جاءه في التي تليها، وهي:

العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة والضلالات وتحريف الدين وتبديله.

ثم العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر بترك الفرائض أو بارتكاب المحرمات.

ثم العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر حتى تكثر على العبد فتهلكه.

ثم العقبة الخامسة: وهي عقبة الاشتغال بالمباحات: من فضول الكَسْب والطعام والشراب والنوم والصحبة وتضييع الأوقات، فيشغله الشيطان بالمباح ليفوِّت عليه الاشتغال بالطاعات وفضائل الأعمال من النوافل والمستحبات.

ثم العقبة السادسة: وفيها قال ابن القيم[وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات فأمره بها. وحسنها في عينه. وزينها له. وأراه مافيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبًا ورِبحًا. لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية. فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له.

ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول.

فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين عاليها وسافلها، ومفضولها وفاضلها، ورئيسها ومرءوسها، وسيدها ومسودها. فإن في الأعمال والأقوال سيدًا ومسودا ً، ورئيسا ً ومرءوسًا، وذروة ومادونها، كما في الحديث الصحيح «سيد الاستغفار: أن يقول العبد: اللهم أنت ربي. لا إله إلا أنت - الحديث» وفي الحديث الآخر «الجهاد ذروة سنام الأمر» وفي الأثر الآخر «إن الأعمال تفاخرت. فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله. وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن» ولايقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل ذي حق حقه.

فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لابد منها، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه، وأكرم الخلق عليه. وهي]:

العقبة السابعة: وهي عقبة تسليط أولياء الشيطان من شياطين الإنس والجن على العبد، وقال ابن القيم فيها [وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد واللسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير. فكلما عَلَتْ مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله. وظاهَر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط. وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها. فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله، والقيام له بأمره، جد العدو في إغراء السفهاء به. فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب. وأخذ في محاربة العدو لله وبالله. فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين. وهي تسمى عبودية المراغمة، ولاينتبه لها إلا أولو البصائر التامة. ولاشئ أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه، وإغاظته له. وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه.

أحدها: قوله (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) النساء: 100، سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما ً يراغم به عدو الله وعدوه. والله يحب من وليه مراغمة عدوه، وإغاظته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت