فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 1285

كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) التوبة: 120، وقال تعالى في مَثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) الفتح: 29، فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية. وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين، وقال «إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان» وفي رواية «ترغيما للشيطان» وسماهما «المرغمتين» .

فمن تعبد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر. وعلى قدر محبة العبد لربه، وموالاته ومعاداته لعدوه، يكون نصيبه من هذه المراغمة. ولأجل هذه المراغمة حُمد التبختر بين الصفين، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر، حيث لايراه إلا الله. لما في ذلك من إرغام العدو. وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل.

وهذا باب من العبودية لايعرفه إلا القليل من الناس. ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول.

وبالله المستعان. وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله.] [1] .

فإذا أردنا استخراج ما ذكرناه من شروط للاشتغال بفرض الكفاية من العلم من كلام ابن القيم هذا، فنقول:

إن من اشتغل بفرض الكفاية من العلم بما يؤدي إلى تركه لفرض عين ٍ، فقد ظفر به الشيطان في العقبة الثالثة (عقبة الكبائر) ، إذ إن تارك فرض العين مرتكب لكبيرة، للوعيد الوارد في حق تارك الفروض، والوعيد من علامات الكبائر.

وأن من اشتغل بفرض الكفاية من العلم بما يؤدي إلى تركه لفرض كفاية أولى وأهم، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحيانا، فقد ظفر به الشيطان في العقبة السادسة، وهي عقبة الاشتغال بالمرجوح الفضل من الطاعات.

(فائدة) تبيّن لك مما سبق أنه لايجوز الاشتغال بفرض الكفاية من العلم مع إهمال فروض العين أو فرض كفاية أهم منه.

وبهذا يتضح لك التقصير الشديد والتفريط الأليم المتلبس به كثير من المنتسبين إلى العلم الشرعي في هذا الزمان على اختلاف مراتبهم بإهمالهم لفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى وهما من آكد الفروض في مختلف البلدان الآن، وأهل العلم هم أحق الناس بالقيام بهذه الواجبات.

ففي كل بلد من بلدان المسلمين تجد عشرات المعاهد والكليات الشرعية، يُدَرِّس فيها مئات الشيوخ، ويَدْرُس فيها آلاف من طلاب العلم الشرعي. وفي مقابل هذا تجد الكفر والمنكرات ترتع في هذه البلدان ولا رادع لها، فتجد البلاد محكومة بالقوانين الوضعية في التشريع وفي السياستين الداخلية والخارجية، وتجد العلمانيين (اللادينيين) قد فرضوا مناهجهم على التعليم ووسائل الإعلام المختلفة ليخرج النشء هزيل الصلة بدينه، وتجد التبرج والخلاعة والملاهي والفجور في شتى البلدان، وتجد الربا والخمر، وتجد بيوت الدعارة القانونية في بعض البلدان وغير القانونية في أكثرها. فأي خير وأي دين في هؤلاء المنتسبين إلى العلم الشرعي مع السكوت عن هذه الموبقات؟.

(1) (مدارج السالكين) لابن القيم، ج 1 ص 222 - 227

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت