فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 1285

وحُماة هذه الموبقات هم أئمة الكفر: وهم الحكام المرتدون الحاكمون بلاد المسلمين بغير شريعة رب العالمين بالشرائع الوضعية الكافرة، فإن كل ما هو سائد في بلاد المسلمين من الكفر والبدع والضلالات والمعاملات المحرمة والربا والخمر والدعارة والفجور والملاهي وغيرها من الموبقات تعتبر قانونية ومشروعة بمقتضى الشرائع الوضعية التي تم فرضها على بلدان المسلمين بالقوة المسلحة للاحتلال الصليبي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حين احتلت انجلترا وفرنسا وغيرهما من الدول الأوربية معظم ولايات الدولة العثمانية وشبه القارة الهندية وبقية البلدان الإسلامية في إفريقيا وجنوب شرقي آسيا. واصطنع المستعمرون الكفارُ طوائف من أبناء البلدان الإسلامية المحتلة أرضعوهم مذاهبهم الكافرة في الحكم والتشريع والسياسة والتعليم والإعلام، وعند رحيل المستعمر عن بلدان المسلمين - بعدما مَزَّقها عن الدولة العثمانية - أسلم حكمها للطوائف المرتدة التي اصطنعها لتواصل نهجه في هذه البلدان. وهذه الطوائف هي التي تحمي القوانين الوضعية بالحديد والنار، وبالجنود والسلاح في شتى بلدان المسلمين اليوم، ومن هنا قلنا إن هؤلاء الحكام المرتدين هم أئمة الكفر وهم رأس الفتنة وأساسها. وسوف تأتي إشارة موجزة إلى الأدلة على كفر هؤلاء الحكام وأعوانهم في المبحثين الأول والثامن من الباب السابع بآخر هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

وجهاد هؤلاء الحكام الكافرين فرض عين على كل مسلم، وكل من نكل عن القيام بهذا الجهاد الواجب عينًا فهو آثم مرتكب لكبيرة فاسق للوعيد الوارد في حق تارك الجهاد العيني، وقد ظفر به الشيطان في العقبة الثالثة من العقبات التي ذكرها ابن القيم - في كلامه السابق - وهي عقبة الكبائر.

وبعد:

فماذا كانت مواقف المنتسبين إلى العلم الشرعي من هذا البلاء الذي عمّ بلاد المسلمين فأفسدها وخربها، هل صدعوا بكلمة الحق فعرَّفوا المسلمين مايجب عليهم من جهاد الحكام المفسدين؟، وهل حرضوهم على القيام بهذا الجهاد؟، بل قبل هذا وذاك هل تعلم المنتسبون للعلم الشرعي حكم الله في هذه النوازل؟. بكل حسرة وأسف فإن من قام بالحق في هذا قلّة نادرة من أهل العلم، أما الأكثرون فهم في غفلة معرضون لامبالاة عندهم بما يجري للدين وأهله، وهؤلاء من الذين وصفهم ابن القيم في قوله: [ومَنْ له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يُشَار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا، والله المستعان، وأيُّ دين ٍ وأيُّ خير فيمن يرى محارم الله تُنْتَهكُ وحدودَه تُضَاع ودينه يُتْرَك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرْغَبُ عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان؟ شيطان أخرس! كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بَليَّة الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مُبَالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نُوزِعَ في بعض مافيه غَضَاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذَّل وجَدَّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وُسعِهِ. وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لايشعرون، وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل] [1] .

(1) (اعلام الموقعين) 2/ 157 - 158

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت