اهتديتم) ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى [[1] . فاختيار الآمدي كاختيار الغزالي، وقد استدل كلاهما بما جري عليه العمل زمان الصحابة دون إنكار من أحد فصار إجماعا على أن المستفتي مخير في استفتاء من شاء من المفتين مستوفي الأهلية. والحديث الأخير الذي ذكره الآمدي لايصح كما سبق بيانه.
3 -وقال النووي رحمه الله]إذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم، فهل يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم والبحث عن الأعلم والأورع الأوثق ليقلده دون غيره؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب، بل له استفتاء من شاء منهم، لأن الجميع أهل، وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامي، وهذا الوجه هو الصحيح عند أصحابنا العراقيين، قالوا: وهو قول أكثر أصحابنا.
والثاني: يجب ذلك، لأنه يمكن هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال، وهذا الوجه قول أبي العباس بن سريج واختيار القفال المروزي، وهو الصحيح عند القاضي حسين.
والأول أظهر، وهو الظاهر من حال الأولين.
قال أبو عمرو رحمه الله: لكن متى اطلع على الأوثق فالأظهر أنه يلزمه تقليده كما يجب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين، فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع من العالِمِين والأعلم من الورعين، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قلّد الأعلم على الأصح [[2] .
4 -وقال ابن القيم رحمه الله]فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد، فمن جَوَّز ذلك رأي أنه يقبل قوله إذا كان وَحْدَه، فوجود مَنْ هو أفضل منه لايمنع من قبول قوله كالشاهد، ومن منع استفتاءه قال: المقصودُ حصولُ مايغلب على الظن الإصابة، وغلبة الظن بفتوى الأعلم أقوى فيتعين، والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجَّحَ بديانة أو وَرَع أو تحر للصواب، وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعين، وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى، والله أعلم [[3] .
وقال ابن القيم أيضا]هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لايلزمه ذلك؟ فيه مذهبان كما سبق، وبينا مأخذهما، والصحيح أنه يلزمه، لأنه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كلُّ أحدٍ [[4] . واختيار ابن القيم أنه لايجوز للمستفتي أن يستفتي من شاء من المفتين بل يلزمه البحث عن أفضلهم ليستفتيه. وهو نفس اختيار القرطبي في كلامه التالي، وهو مخالف لاختيارات من سبق ذكرهم.
5 -قال القرطبي رحمه الله]فرض العامي الذي لايشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه، لقوله تعالى: «فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» ، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه، حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس [[5] .
(1) (الإحكام) للآمدي، ج 4 ص 241 - 242
(2) (المجموع) ج 1 ص 54 - 55، ولابن حمدان كلام قريب منه في (صفة الفتوى) ص 69 - 70. واختيار النووي موافق للغزالي والآمدي، وزاد فائدة عن ابن الصلاح أنه متى علم الأوثق لزمه تقليده
(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 254 - 255
(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 261
(5) (تفسير القرطبي) ج 2 ص 212