فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 1285

وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه. وحكى عن من يثق به: أنه وقعت له واقعة وأفتى فيها وهو غائب جماعة من فقهائهم من أهل الصلاح بما يضره، فلما عاد سألهم فقالوا: ما علمنا أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال: وهذا مما لاخلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لايجوز.

قلت: وقد قال إمامهم مالك رضي الله عنه في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم. «مُخطيء ومصيب، فعليك بالاجتهاد» . وقال: ليس كما قال ناس: فيه توسعة. قلت: لا توسعة فيه بمعنى أنه يتخير بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح، وفيه توسعة بمعنى أن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد مجالا فيما بين أقوالهم، وأن ذلك ليس مما يقطع فيه بقول واحدٍ متعين لا مجال للاجتهاد في خلافه. والله أعلم [[1] .

3 -قال ابن القيم رحمه الله]لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولايَعْتَد به، بل يكتفى في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأي القول وَفْقَ إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة، وهذا مثل ماحكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نَصَبَ نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني مَنْ أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره، وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الإجماع أنه لايجوز، وقد قال مالك رحمه الله في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم مخطيء ومصيب فعليك بالاجتهاد.

وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتّشَهِّي والتخير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرضَ مَنْ يٌحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان [[2] .

4 -وقال ابن القيم أيضا]ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلا، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه، فيكون خائنا لله ورسوله وللسائل وغاشا له، والله لايهدي كيد الخائنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو غاشٌُ للإسلام وأهله، والدين النصيحة، والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيرا ماترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب فلا يسعنا أن نفتي بخلاف مانعتقده فنحكي المذهب الراجح ونرجحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وبالله التوفيق [[3]

5 -وقال ابن القيم رحمه الله]قال ابن هانيء: وقيل لأبي عبدالله: يكون الرجلُ في قرية فيُسأل عن الشئ الذي فيه اختلاف، قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، ومالم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه [[4] .

6 -وقال ابن القيم أيضا]وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين، فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لايسعه غير ذلك، فإن لم يتمكن منه وخاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له أن يفتي بمالا يعلم أنه صواب، فكيف بما يغلب على

(1) (أدب المفتي) ص 125 - 126

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 211

(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 177

(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 206

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت