ظنه أن الصواب في خلافه؟ ولايسع الحاكم والمفتي غير هذا البتة، فإن الله سائلهما عن رسوله وماجاء به، لا عن الإمام المعين وما قاله، وإنما يُسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقال له في قبره: ماكنت تقول في هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ (ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم المرسلين) ولا يسأل أحد قط عن إمام ولاشيخ ولامتبوع غيره، بل يسأل عمن اتبعه واُئتم به غيره، فلينظر بماذا يجيب؟ وليعدَّ للجواب صوابا [[1] .
7 -وقال ابن القيم أيضا]إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجح له أحدهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى: له أن يفتي بأيهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء، وقيل: بل يخير المستفتي فيقول له: أنت مخير بينهما، لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخير، وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين.
قلت: الأظهر أنه يتوقف، ولايفتيه بشئ حتى يتبين له الراجح منهما، لأن أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لايعلم أنه صواب، وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب، وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمْرَانِ خطأ وصواب ولم يتبين له أحدهما لم يكن له أن يُقْدِم على أحدهما، ولايخيره، وكما لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم يكن له أن يشير بأحدهما ولايخيره، وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصِّلة ولم يتبين له طريق الصواب لم يكن له الإقدام ولا التخيير، فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف. والله أعلم [[2] .
8 -وقال أبو إسحق الشاطبي رحمه الله]أما إذا كان اطلع على فتاويهم قبل ذلك وأراد أن يأخذ بأحدها فقد تقدم قبل هذا أنه لايصح له إلا الترجيح، لأن من مقصود الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله، وتخييره يفتح له باب اتباع الهوى فلا سبيل إليه البتة [[3] .
وقد أشار الشاطبي إلى أن الاختيار من الأقوال بدون ترجيح، هو إسقاط للتكاليف الشرعية بالهوى، وهذا يبين لك خطورة هذا المسلك، قال رحمه الله]وأيضا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رُخَص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل، وأيضا فإنه مؤد ٍ إلى اسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها، لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعا للهوى ولامسقطا للتكاليف [[4] .
9 -وقال الشاطبي أيضا]إن الفقيه لا يحل له أن يتخيَّر بعض الأقوال بمجرد التشهي والأغراض من غير اجتهاد، ولا أن يفتي به أحدًا، والمقلد في اختلاف الأقوال عليه مثل هذا المفتي [[5] .
وقال أيضا:]ولا ينجيه من هذا أن يقول مافعلت إلا بقول عالم، لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية [[6] .
هذا، وقد أشرنا إلى كيفية معرفة الراجح من المرجوح من الأدلة والأقوال، وذلك في الفصل الأول من الباب الرابع في مسألة (كيف يُحسن الطالب اختيار مصدر العلم؟) ، وتختلف الكيفية باختلاف الأهلية العلمية للشخص:
فالعالم المجتهد له أن يرجح بنفسه بين الأدلة والأقوال بطرق الترجيح التي بيَّنها العلماء.
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 236
(2) (اعلام الموقعين) ج 4ص 238
(3) (الموافقات) ج 4 ص 262، ط دار المعرفة
(4) (الموافقات) ج 4 ص 134
(5) (الموافقات) ج 4 ص 140
(6) (الموافقات) ج 4 ص 144