أما العامي فيعرف الراجح بمراجعة من يثق بعلمه وأمانته من أهل العلم.
وأما طالب العلم فيعرف الراجح بمراجعة العلماء - شأنه في هذا كالعامي - أو بمطالعة كتب العلم التي تعتني بالترجيح: ككتب ابن عبدالبر (الاستذكار والتمهيد) وكتاب المغني لابن قدامة، ومجموع فتاوي ابن تيمية رحمهم الله، ونحوها من الكتب.
ثالثا: الرد على شبهة معارِضة لوجوب الترجيح.
ذكرت في الفصل الأول من الباب الرابع من هذا الكتاب، عند الكلام في كيف يُحسن الطالب اختيار مصدر العلم؟، ذكرت وجوب معرفة الطالب للراجح من المرجوح فيما يدرسه ليكون من الراسخين في العلم بإذن الله، وهناك ذكرت أن اختلاف أقوال العلماء يرجع فيما يرجع إلى اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل الأحكام. فذهب بعض العلماء إلى أن اختلاف الصحابة حجة للاختلاف بعدهم، وأن المسلم في سعة ٍ من أن يأخذ بأي قول ٍ من أقوالهم، وأجروا هذا في اختلاف العلماء بعد الصحابة. ومما احتج به من ذهب هذا المذهب مايُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم) [1] .
وقد ذكرت في مسألة (كيف يُحسن الطالب اختيار مصدر العلم؟) أن اختلاف الصحابة يرجع إلى ما كان يغيب عنهم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم [2] .
وقال أبو شامة عبدالرحمن بن إسماعيل المقدسي رحمه الله (ت 665هـ) :] وقد كانت العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك مالم يقفوا عليه من الحديث، بأن الأحاديث لم تكن حينئذ فيما بينهم مدونة، إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلدان. وقد زال ذلك العذر ولله الحمد بجمع الحُفَّاظ الأحاديث المحتج بها في كتب [[3] .
فإذا غاب الحديث عن صحابي أو تابعي أو عالم من العلماء فقال قولًا في مسألة وقد صَحَّ الحديث بخلاف قوله، فالحجة في الحديث لا في قول الصحابي. وإذا قال صحابيان قولين متعارضين في مسألة، والحديث الصحيح يعضد أحدهما، فما عضّده الحديث هو القول الراجح منهما. هذا قول جمهور العلماء كما سيأتي في كلام ابن عبدالبر إن شاء الله. وهو الصواب المقطوع به لقول الله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59، فدلّت الآية على أن ماعدا قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم قابل للأخذ والترك، وأن معيار الأخذ بأقوال الصحابة والعلماء أو تركها هو موافقتها للكتاب والسنة من عدمه. وسيأتي استدلال المزني صاحب الشافعي رحمهما الله بآية النساء هذه على أن الاختلاف لايكون كله صوابا وإنما هو صواب وخطأ، وأن المرجع في معرفة ذلك الكتاب والسنة. واستدل ابن تيمية رحمه الله بنفس الآية على نفس المسألة، فقال (بل كل من سِوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويُترك، ولاتجب طاعة من سوى الأنبياء في كل ما يقول، ولايجب على الخلق اتباعه والإيمان به في كل مايأمر به ويُخبر به، ولا تكون مخالفته في ذلك كفرًا بخلاف الأنبياء، بل إذا خالفه غيره من نظرائِه وجب على المجتهد النظر في قوليهما، وأيهما كان أشبه بالكتاب
(1) وقد قال البزار وابن عبدالبر إن هذا الحديث لايصح (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر ج 2 ص 90 - 91 وقال ابن حزم إنه حديث ساقط موضوع بلاشك (الإحكام) له ج 5 ص 73، وج 6 ص 82 - 83
(2) كما بَوَّب عليه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه (فتح الباري) ج 13 ص 320
(3) نقلا عن (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ط دار الكتب العلمية 1403 هـ، ص 144