فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 1285

والسنة تابَعَه، كما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) النساء: 59 [[1] .

وقد تكلم في هذه المسألة - مسألة اختلاف الصحابة فَمَن بعدهم ابن حزم والخطيب البغدادي وابن عبد البر رحمهم الله بكلام متقارب، وما قاله ابن عبدالبر أجمع مما قال غيره، فنذكره هنا بعون الله تعالى

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله «باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء» .

قال أبو عمر:]اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة رحمة واسعة وجائز لمن نظر في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة مالم يعلم أنه خطأ فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه. فإذا لم يبين له ذلك من هذه الوجوه جاز له استعمال قوله وإن لم يعلم صوابه من خطائه وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شئ وإن لم تعلم وجهه. هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد وعن سفيان الثوري إن صح وقال به قوم، ومن حجتهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر ونحن نبين الحجة عليه في هذا الباب إن شاء الله.

ثم روي أبو عمر بإسناده عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال (لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبيص في أعمالهم لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأي أنه في سعة ورأي أنه خير منه قد عمله. ورواه هارون بن سعيد الآيلي عن يحيي بن سلام الآيلي عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد قال لقد أوسع الله على الناس باختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شئ.

ثم روى أبو عمر بإسناده قول عمر بن عبدالعزيز ماأحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنه لو كانوا واحدًا كان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدي بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة، قال أبو عمر هذا فيما كان طريقه الاجتهاد.

إلى أن قال أبو عمر: فهذا مذهب القاسم بن محمد ومن تابعه وقال به قوم. وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب. والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها وذلك لايُعدَم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شئ من ذلك في خاصة نفسه جاز له مايجوز للعامة من التقليد واستعمل عند افراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم «البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ماحاك في الصدر، فدع ما يريبك لما لا يريبك» هذا حال من لا يمعن النظر. وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله أن يفتي ولايقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أوالإجماع أو ماكان في معنى هذه الأوجه.

ثم روى أبو عمر بإسناده عن أشهب قال: سئل مالك عن اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خطأ وصواب فانظر في ذلك، وذكر يحيي بن إبراهيم بن مزين قال حدثني أصبغ قال قال ابن القاسم سمعت مالكا والليث يقولان في

(1) (مجموع الفتاوي) ج 35 ص120 - 121

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت