اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كما قال ناس فيه توسعة ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب. قال يحيي وبلغني أن الليث بن سعد قال إذا جاء الاختلاف أخذنا فيه بالأحوط. حدثنا عبدالرحمن بن يحيي قال حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن زيان قال حدثنا الحارث بن مسكين عن ابن مسكين عن ابن القاسم عن مالك أنه قال في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد.
ثم روي أبو عمر بإسناده عن المزني قال: قال الشافعي في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصير منها إلى ماوافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في القياس، وقال في قول الواحد منهم إذا لم يحفظ له مخالفا منهم صرت إليه وأخذت به إن لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا دليلا منها هذا إذا وجدت معه القياس، قال: وقَلَّ مايوجد ذلك. قال المزني فقد بين أنه قبل قوله بحجة ففي هذا مع اجتماعهم على أن العلماء في كل ٍ قرن ينكر بعضهم على بعض فيما اختلفوا فيه قضاء بين على أن لا يقال إلا بحجة وأن الحق في وجه واحد والله أعلم. قال أبو عمر وقد ذكر الشافعي في كتاب أدب القضاة أن القاضي والمفتي لا يجوز له أن يقضي ويفتي حتى يكون عالما بالكتاب وماقال أهل التأويل في تأويله وعالما بالسنن والآثار وعالما باختلاف العلماء حَسَن النظر صحيح الأود ورعًا مشاورًا فيما اشتبه عليه، وهذا كله مذهب مالك وسائر فقهاء المسلمين في كل مصر يشترطون أن القاضي والمفتي لايجوز أن يكون إلا في هذه الصفات. واختلف قول أبي حنيفة في هذا الباب فمرة قال أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ بقول من شئت منهم ولاأخرج عن قول جميعهم، وإنما يلزمني النظر في أقاويل من بعدهم من التابعين ومن دونهم قال أبو عمر جعل للصحابة في ذلك مالم يجعل لغيرهم وأظنه مال إلى ظاهر حديث أصحابي كالنجوم والله أعلم. وإلى نحو هذا كان أحمد بن حنبل يذهب. ذكر العقيلي قال حدثنا هارون بن على المقري قال حدثنا محمد بن عبدالرحمن الصيرفي قال قلت لأحمد بن حنبل إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسئلة هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم لنعلم مع من الصواب منهم فنتبعه فقال لي لا يجوز النظر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت كيف الوجه في ذلك قال تقلد أيهم أحببت. قال أبو عمر لم ير النظر فيما اختلفوا فيه خوفا من التطرق إلى النظر فيما شجر بينهم وحارب فيه بعضهم بعضا. وقد روي السمتي عن أبي حنيفة أنه قال في قولين للصحابة أحد القولين خطأ والمأثم فيه موضوع.
إلى أن قال أبو عمر: وقد ذكر المزني رحمه الله في هذا حُجَجًا أنا أذكرها هنا إن شاء الله. قال المزني: قال الله تبارك وتعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء: 82 فذم الاختلاف، وقال (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) آل عمران: 105، وقال (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) النساء: 59، وعن مجاهد وعطاء وغيرهما في تأويل ذلك قال: إلى الكتاب والسنة، قال المزني: فذم إليه الاختلاف وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة فلو كان الاختلاف من دينه ماذمه ولو كان التنازع من حكمه ماأمرهم بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة، قال: وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «احذروا زلة العالم» ، وعن عمر ومعاذ وسلمان مثل ذلك في التخويف من زلة العالم. قال: وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطَّأ بعضهم بعضا ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقبها ولو كان قولهم كله صوابا عندهم لما فعلوا ذلك، وقد جاء عن ابن مسعود في غير مسألة أنه قال: أقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني وأستغفر الله.
إلى أن قال أبو عمر [باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب، يلزم طلب الحجة عنده، وذكر بعض ماخطَّأ فيه بعضهم بعضًا وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم وذِكر معنى قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي