بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما يكفر فاعله. ولأجل سد ذرائع هذا الكفر كان التأدب مع العلماء وتوقيرهم واجبا من أجل تعظيم الدين نفسه.
وأعداء الرسل من العلمانيين والحكام الطواغيت وغيرهم من شياطين الإنس يدركون هذه الحقيقة جيدًا، ولهذا فإنهم يتخذون الاستهزاء بالعلماء والاستخفاف بهم سُلَّمًا إلى غرس الاستخفاف بالدين في نفوس المسلمين، ويقوم المجرمون بالاستخفاف بالعلماء في صور شتى منها: إخراجهم في صور مضحكة أو مستنكرة في الصحف والمجلات وفي المسرحيات التمثيلية والأفلام السينمائية لغرس تحقيرهم والاستهانة بهم في نفوس المسلمين، ومنها وضع العلماء في درجات وظيفية متدنّية من جهة المرتبات والمزايا الأدبية لإذلالهم وتحقيرهم، ومن أوائل من اتبع هذه السياسة اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي كما ذكره الدكتور محمد محمد حسين في كتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) ، ومن وقتها والاستهانة بالعلماء وغيرهم من الرموز الدينية بشتى الصور أصبحت من السياسات الثابتة للحكومات العلمانية الكافرة بُغية إضعاف الوازع الديني في نفوس المسلمين.
ولا شك في أن هذه السياسة قد أثمرت ثمارها الخبيثة في صور: منها شيوع الاستخفاف بالدين وبرموزه، ومنها قلة مبالاة الناس بالدين حتى أنهم ليقدمون على الأقوال والأعمال بغير علم ولايفكرون في استفتاء العلماء فيما هم مقدمون عليه أو متلبسون به إلا النادر من المسلمين، ومن الثمار الخبيثة لهذه السياسة انصراف النبهاء والأذكياء من أبناء المسلمين عن التعليم الديني إلى التعليم الدنيوي بسبب سوء أوضاع خريجي المعاهد الدينية ماديًا وأدبيًا في مقابل خريجي التعليم الدنيوي، فأصبح لايلتحق بالمعاهد الدينية إلا ضعاف الطلاب في الغالب بما أدى إلى الضعف العام في المستوى العلمي لخريجي هذه المعاهد وهذا معلوم مشاهد في شتى البلدان، وقارن هذا بأحوال السلف من كان منهم يحفظ مليونًا من الأحاديث كأحمد بن حنبل، ومن كان منهم يحفظ أكثر من نصف مليون حديث وهم كثير كالبخاري وغيره، ومن سُمى منهم (بصاعقة) لشدة حفظه وذكائه وهو محمد بن عبدالرحيم من شيوخ البخاري، ومن قيل عنه إن أحد أبويه كان جِنّيًا على سبيل المبالغة لشدة حفظه وهو أبوبكر الأثرم من تلاميذ أحمد بن حنبل، وغيرهم كثير ممن ذكرهم الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه (الحث على حفظ العلم) وفي غيره من كتب التراجم، ومن الثمار الخبيثة لهذه السياسة إذلال المنتسبين إلى العلم والدين حتى أن كثيرًا منهم لايجرؤن على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولاعذر لهم في ذلك، فقد بلّغ الأنبياء عليهم السلام ماوجب عليهم من البلاغ برغم استهزاء أقوامهم بهم، قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) يس: 30.
وقد وردت الشريعة بسد ذرائع هذا كله بما أوجبته من توقير العلماء وإجلالهم لما في ذلك من توقير للدين نفسه. هذا والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.