كخراسان والعراق والشام أحيانا فإنهم لم يفرضوا على هذه البلاد الحكم بقانونهم الوضعي (الياسق) وإنما تحاكموا به فيما بينهم وظل الحكم في المسلمين جاريا وفق أحكام الشريعة، أما حكام اليوم فإنهم فرضوا على المسلمين الحكم بهذه القوانين الكافرة.
أما ما يبيّن أن الحكم بالياسق ظل محصورًا في طائفة التتار لم يتعداهم إلى سائر المسلمين، فيدل عليه قول ابن تيمية فيهم [ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله] [1] . وقول ابن كثير [وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق - إلى قوله - فصارت في بنيه شرعًا متبعًا] [2] . فقول ابن تيمية [الحكم بينهم] وقول ابن كثير [فصارت في بنيه] يبين أن الحكم بالياسق كان في طائفة التتار فقط لم يفرضوه على المسلمين في البلاد التي استولوا عليها، وقد نبّه الشيخ أحمد شاكر على هذا الفرق بقوله [أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن - لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام «جنكيز خان» ؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتي عليها الزمن سريعا، فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت. ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وظلاما منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك «الياسق» ] [3] .
وأما أن الحكم بين المسلمين ظل جاريا وفق أحكام الإسلام في البلاد التي استولى عليها التتار، فيدل عليه رسالة سلطان التتار قازان (أو غازان) إلى نائبه في حكم بلاد الشام سيف الدين قبجق، تلك الرسالة التي قرئت على منابر دمشق عام 699 هـ - وهي نفس السنة التي استفتي فيها ابن تيمية في شأنهم كما سبق قريبا -، وفيها قال قازان [وعلى مَلِك الأمراء سيف الدين بتقوى الله في أحكامه، وخشيته في نقضه وإبرامه، وتعظيم الشرع وحُكّامه، وتنفيذ أقضية كل قاضٍ على قول إمامه، وليعتمد الجلوس للعدل والإنصاف، وأخذ حق المشروف من الأشراف، وليُقِم الحدود والقصاص على كل من وجبت عليه، وليكُفّ الكف العادية عن كل من يُتعدى عليه] [4] . وفي وصف أحوال تلك البلاد بعد استيلاء التتار عليها نقل صديق حسن خان [وأما البلاد التي عليها ولاة كفار فيجوز فيها أيضًا إقامة الجمعة والعيدين والقاضي قاض بتراضي المسلمين، إذ قد تقرر أن ببقاء شيء من العلة يبقى الحكم، وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار من ديار الإسلام، وبعد استيلائهم إعلان الآذان والجمع والجماعات والحكم بمقتضى الشرع والفتوى ذائع بلا نكير من ملوكهم] [5] .
والحاصل: أن الحكم بمقتضى الشرع في بلاد المسلمين التي استولى عليها التتار ثابت تاريخيا، وهذا مما يبين لك أن حكام اليوم الذين يفرضون قوانين الكفار على المسلمين أشد كفرًا وضلالا من التتار. وأن المناط الذي أفتي بموجبه بكفر التتار متحقق في المعاصرين بصورة أقوى.
(1) (مجموع الفتاوى) 28/ 505
(2) (تفسير ابن كثير) 2/ 67
(3) (عمدة التفسير) 4/ 173 - 174
(4) نقلا عن (وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي) د. محمد ماهر حمادة، ص 403 - 406، ط مؤسسة الرسالة 1986 م
(5) (العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة) لصديق حسن، ص 232، ط دار الكتب العلمية 1405هـ