المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) النساء:150 - 151] [1] .
وفي مواضع أخرى من فتاويه نقل شيخ الإسلام الإجماع على كفر من حكم بالشرائع المتضمنة لتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو إسقاط الأوامر والنواهي الشرعية، وهذه الصفات كلها تنطبق على القوانين المعاصرة، ومن هذا قوله رحمه الله [والإنسان متى حَلّل الحرام - المُجمع عليه - أو حرَّم الحلال - المجمع عليه - أو بدّل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا باتفاق الفقهاء] [2] . وقال أيضا [ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بَعَث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى] [3] . ولشيخ الإسلام أقوال أخرى سننقلها في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
2 -وأما فتوى ابن كثير التي ذكر فيها الإجماع على كفر من حكم بغير ما أنزل الله فقوله [فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كَفَر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كَفَر بإجماع المسلمين. قال الله تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50 وقال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65] [4] .
هذا، وقد سبق - في نقد (الرسالة اليمانية) بآخر مبحث الاعتقاد - الكلام في حُجِّية الإجماع، وأنه متى صح من جهة النقل ولم يُعلم له مخالف فهو حجة ملزمة، ولا يجوز نسخه ولا تبديله [5] . وعلى هذا فالإجماع على كفر من حكم بغير ما أنزل الله - الذي نقله ابن تيمية وابن كثير - هو حجة مُلزِمة لنا، ودليل مستقل نعتمد عليه في الفتوى بكفر الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية. وإنما وقع الإجماع على حكم هذه المسألة في عصر ابن تيمية (728 هـ) وابن كثير (774 هـ) لأنه هذه المسألة وقعت في عصرهما ولم تقع قبله من الناحية التاريخية. ومثلها في ذلك كمسألة خَلْق القرآن التي وقعت في عصر أحمد بن حنبل فانعقد إجماع أهل السنة على حكمها (وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن من قال إنه مخلوق فهو كافر) ولم ينقل هذا الحكم عن أحد من الصحابة إذ لم تقع المسألة في حياتهم فلم ينقل عن أحدٍ منهم قولٌ فيها. وهذا مما ينبهك على أن فتاوى المسائل المستجدة تؤخذ عن معاصريها من العلماء.
(تنبيه على فرق هام بين التتار وبين حكام اليوم)
زعم بعض المجادلين عن الحكام الطواغيت أنه لا وجه لتطبيق فتاوى ابن تيمية وابن كثير في التتار على حكام اليوم لأن التتار وثنيون. وهذه مغالطة فقد تبين لك مما سبق أن التتار دخلوا في الإسلام ولكنهم ظلوا يحكمون بغير شريعته، وهذه الأوصاف هي نفس أوصاف حكام اليوم، ولهذا فحكمهم كحكمهم، لأن حالهم كحالهم.
والحق أن حكام اليوم أشدُّ كفرًا وضلالًا من التتار، وذلك لأن التتار مع استيلائهم على كثير من بلاد المسلمين
(1) (مجموع الفتاوى) 28/ 524
(2) (مجموع الفتاوى) 3/ 267
(3) (مجموع الفتاوى) 8/ 106
(4) (البداية والنهاية) 13/ 119، ضمن أحداث عام 624ه، عند ترجمته لجنكيز خان
(5) انظر (ارشاد الفحول) للشوكاني ص 67 - 85، و (شرح التلويح على التنقيح) للتفتازاني 2/ 51