المسلم إليها ابتداء إلا لضرورة تجارة أو علاج ونحو ذلك، قال تعالى - فيمن أقام بين الكفار - (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) النساء: 97. والإقامة بين الكفار من أعظم أسباب الفتنة في الدين وأسهب ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) في بيان مضرة مخالطة الكفار وأن هذا يؤول إلى التشبه بهم والتخلق بأخلاقهم ظاهرًا وباطنا وقد قال بعض العلماء بكفر من عزم على الإقامة بدار الكفر لقبوله بجريان أحكام الكفار عليه طواعية، فهذا تحاكم طوعي منه إلى الطاغوت ولهذا فمن اضطر للسفر إلى هذه البلاد ينبغي ألا يعزم على الإقامة بها وأن يستصحب دائما نية مغادرتها متى تيسر له ذلك. وقد عَمّ البلاء بالسفر إلى بلاد الكفار الأصليين كأوربا وأمريكا في هذا الزمان لغير ضرورة إلا الاستكثار من متاع الدنيا، والإقامة بين المسلمين في ديار الردّة كالبلاد العربية والمسماة بالإسلامية خير من ديار الكفر الأصلية وإن كانت كلها ديار كفر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. ومن أهم أسباب استمرار النهج العلماني في بلاد المسلمين تولي هؤلاء الذين تعلموا في بلاد الغرب وتطبّعوا بطباعِهِ للمناصب الهامة في بلاد المسلمين من السياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام.
هذا، وكان أحد المسلمين قد سألني عن مسألة التَّجنس بجنسية بلاد الكفار الأصليين، وحاصل المسألة أن المسلم المقيم ببلادهم إذا استوفى شروطًا معينة جاز له طلب الجنسية، وأنه لايُمنحها حتى يُقسم قَسَم ولاء للدولة أنه ملتزم بقوانينها وملتزم بعدم الإضرار بها وبأن يدافع عنها ونحو ذلك؟ فأجبته بأن هذا القَسَم كُفر صريح ومن قاله بغير إكراه كَفَر، فإن يلتزم بذلك أن يتحاكم طواعية إلى الطاغوت (وهو هنا شرائع الكفار) ، وإن التزم بهذا كفر، وهذا بخلاف قوانين الكفر المفروضة عليه رغمًا عنه في ديار الردة، كما أنه بعد تجنُّسِهِ ملتزم - إما هو وإما أبناؤه - بالخدمة في جيش الكفار والخروج في قتالهم، وهذا مكفِّر لأنه قتال في سبيل الطاغوت، وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) النساء: 76، وفي الجملة فإن هذا القَسَم موالاة مكفرة، وسيأتي بيان معنى الموالاة في نقد كتاب (الرسالة الليمانية في الموالاة) . وقال لي السائل: هب أن رجلًا علم هذا الحكم وقال إنه يكفر خمس دقائق حين أداء القَسَم ثم يتوب؟ فأجبته: إنه إن قال: إنه سيكفر مدة القسم، كفر بقوله هذا ولو لم يُقسم إذ لم يختلف العلماء في أن من نوي الكفر في الآجل كَفَر في الحال، ونقلت هذا في شرح قاعدة التكفير عن صاحب (كفاية الأخيار) قوله] ولو قال إن مات ابني تهوَّدت أو تنصرت كَفَر في الحال [1] [، ومايدريه أنه يعيش حتى يتوب فقد يموت أو يصاب بالجنون في الحال وتفوته التوبة وقد قال تعالى (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) آل عمران: 54، وقال تعالى (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) النحل: 45. وفي الجملة فإن التجنس المرتبط بأداء هذا القسم لايجوز، وقال الشيخ حمد بن عتيق النجدي] أن يوافقهم - أي الكفار - في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رياسة أو مال ٍ أو مشحة بوطن أو عيال، أو خوف مما يحدث في المآل، فإنه في هذه الحال يكون مرتدًا ولاتنفعه كراهته لهم في الباطن، وهو ممن
(1) (كفاية الأخيار) 2/ 123