قال الله فيهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) النحل: 107 [[1] .
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب]إن كانت الموالاة مع مساكنتهم - أي الكفار - في ديارهم والخروج معهم في قتالهم ونحو ذلك، فإنه يُحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة:51 [[2] . هذا والله تعالى أعلم.
هـ - ومن سافر إلى بلاد الكفار لسبب مباح كَرِهَ أكثر أهل العلم أن يتزوج في بلادهم. وإذا غلبته الشهوة وخشي على نفسه الزنا يتزوج مسلمة إن أمكن وإلا فكتابية، وفي كل الأحوال يعزل عن زوجته خشية على الولد أن ينشأ على دين الكفار ويتخلق بأخلاقهم [3] . والواقع يشهد بما حذّر منه فقهاء السلف: فإن قوانين الكفار تمنح النساء والأبناء حرية يتعذر معها تنشئتهم نشأة إسلامية، وللمرأة منهم الحق في الاحتفاظ بأبنائها معها إذا أراد الزوج المسلم مغادرة بلادهم. وأنا أعلم واقعة رجل مسلم كان متزوجًا من نصرانية أمريكية في أمريكا وله ثلاثة أطفال، فمات الرجل فقامت زوجته بتنصير أبنائه، وفشل أهل الرجل - وكانوا خارج أمريكا - في استنقاذ أبنائه.
و - ومن دخل بلاد الكفار بأمان منهم فلا يحل له أن يخونهم في أنفسهم وأموالهم، لقوله تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) الإسراء: 34، قال أبو القاسم الخِرقي في مختصره]ومن دخل أرض العدو وبأمان لم يخنهم في مالهم ولم يعاملهم بالربا [قال ابن قدامة في شرحه] أما تحريم الربا في دار الحرب فقد ذكرناه في الربا، مع أن قول الله تعالى (وحرم الربا) وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان، وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطًا بتركه خيانتهم وأَمْنِهِ إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ فهو معلوم في المعنى، ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لعهده. فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر، ولايصلح في ديننا الغدر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام «المسلمون عند شروطهم» فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئا وجب عليه ردّ ماأخذ إلى أربابه، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان ردّه عليهم وإلا بعث به إليهم لأنه أخذه على وجه حَرُمَ عليه أخذه، فلزمه ردّ ماأخذ كما لو أخذه من مال مسلم [[4] .
قلت: وهل تعتبر تأشيرة الدخول (الفيزا) التي يحصل عليها مسلم لدخول بلاد الكفار الأصليين عقد أمان؟ والجواب: أن الذي يظهر لي أنها كذلك، فإن المسلم إذا دخل بلادهم أمّنوه على نفسه وماله، ولو اعتدى عليه أحدٌ في نفسه وماله لأظهروا الاهتمام ولحكموا له بالتعويض عن الإصابة ولردّوا له المال المسروق كما يهتمون بأبناء دينهم، وهذا يدل على أن المسلم ببلادهم محترم النفس والمال وهذا لُبّ عقد الأمان، فوجب عليه معاملتهم بالمثل فيؤمِّنهم على أنفسهم
(1) من رسالته (بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) ضمن (مجموعة التوحيد) ط دار الفكر، ص 418
(2) من رسالته (أوثق عرى الإيمان) ضمن (مجموعة التوحيد) ص 175
(3) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 512، و (السير الكبير) لمحمد بن الحسن 5/ 1838، و (أحكام أهل الذمة) لابن القيم 2/ 431
(4) (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 515 - 516