وأموالهم، قال تعالى (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) التوبة: 7، وحتى لو دخل بلادهم بتأشيرة مزوَّرة ظنوها صحيحة لوجب عليه الوفاء قد ضرب محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله لهذا صورًا فراجعها بكتابه (السير الكبير) [1] . وهذا الحكم خاص بدخول المسلم بلاد الكفار الأصليين، وبسط هذا الموضوع محله كتاب (السير الكبير) المشار إليه. أما إذا دخل أحد الكفار إلى بلاد المسلمين والتي هي ديار كفر وردة اليوم، فإنه لايدخلها إلا بعد حصوله على تأشيرة دخول (فيزا) من السلطة الحاكمة بهذه البلاد، وهذا لايعتبر أمانًا له يعصم دمه وماله بهذه البلاد، لصدور هذا الأمان من كافر مرتد وهو السلطة الحاكمة المرتدة التي ليست لها ولاية شرعية على المسلمين وأمان الكافر للكافر غير مُلِزم للمسلم، وأما إذا دخل أحد الكفار هذه البلاد بناء على دعوة ٍ من مسلم - ولو كان فاسقا - فإن هذا يعتبر أمانا شرعيا له يجب على المسلمين احترامه لقوله عليه الصلاة والسلام (ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايُقبل منه صرفٌ ولا عدل) [2] ، ومعنى أخفر أي نقض عهده، والحديث معناه أن أمان أي مسلم مُلزم لجميع المسلمين يجب عليهم احترامه، فإن أمَّن مسلمٌ كافرًا حَرُمَ على المسلمين التعرض له [3] ، ومعلوم أنه حتى في هذه الحال لن يدخل البلاد إلا بتأشيرة من السلطات وهذا لايؤثر في الحكم المذكور لقوله عليه الصلاة والسلام (الإسلام يعلو ولايُعلى) الحديث. هذا والله تعالى أعلم.
فهذه بعض الأحكام المتفرعة عن وجوب الهجرة ومايستثنى منها من السفر المباح إلى بلاد الكفار.
2 -ومن الأحكام المترتبة على اختلاف الديار: وجوب غزو الكفار في دارهم، وهو جهاد الطلب، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) التوبة: 123. وقال العلماء: وأقل مايفعله إمام المسلمين غزو الكفار في بلادهم مرة في العام [4] . وقد استنبطتُ هذا العدد من قوله (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ) التوبة: 126، وذكرت دلالة الآية على ذلك في كتابي (العمدة) .
3 -ومن الأحكام المترتبة: استصحاب حكم الدار لمجهول الحال عند تعذّرتبيّن حاله، كما ذكرته في حكم مجهول الحال.
4 -ومن أحكام دار الكفر: وجوب التحري عند شراء اللحم كما ذكرته في حكم مجهول الحال. ومن أحكامها: جواز قتل المرتد الممتنع بدار الكفر وأخذ مامعه من مال بلا استتابة كما ذكرته في شرح قاعدة التكفير.
هذا، وقد رتب الأحناف أحكامًا كثيرة على اختلاف الدارين لم يوافقهم عليها جمهور الفقهاء، ومنها:
-إباحة أخذ الربا من الحربيين في دار الحرب برضاهم [5] ، ورتب عليه بعض المعاصرين جواز إيداع المسلم ماله بالبنوك
(1) (السير الكبير) 2/ 507 - 508
(2) الحديث رواه البخاري
(3) انظر (فتح الباري) 4/ 86
(4) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 367 - 368
(5) انظر (السير الكبير) 4/ 1486 وما بعدها