فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 1285

يُعامل فيها المسلمون بحقهم ... وذا الكفر ما قد يستحق من العمل

فلا تُعط حكم الكفر من كل جانب ٍ ... ولا الحكم بالإسلام في قول من عَدَل [1] .

والذي ننبه عليه هنا أن الديار قسمان لا ثلاثة، وأن الدار المركبة يمكن أن تكون وصفًا لحال السكان لا حكمًا، ومعاملة كل إنسان بما يستحقه لا خلاف فيه وقد سبق بيان أن المسلم معصوم الدم والمال أينما كان، ولكن هذه المعاملة النوعية لاتجعل الدار قسمًا ثالثا. وابن تيمية نفسه نقل أن مصر كانت دار ردّة زمن استيلاء العُبَيْديين (المُسمَّون بالفاطميين) عليها، بسبب كونهم زنادقة مرتدين [2] ، مع أن أحكام الشريعة كانت جارية بمصر مدة ملكهم التي امتدت مائتين ونيف وثمانين سنة [3] ، ومع أن جمهور أهل مصر هم المسلمون، ولكن الدار صارت دار ردّة بسبب استيلاء العبيديين التام عليها ولم يؤثر في هذا إذنهم بالحكم بالشريعة. قال ابن تيمية رحمه الله] وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين الذي فتح مصر، فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية وأظهر فيها شرائع الإسلام، حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام - إلى قوله - ولأجل ماكانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان، حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردّة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب [[4] . وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله]ولو ذهبنا نُعَدِّد من كفَّره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، ولكن من آخر ماجرى قصة بني عبيد ملوك مصر وطائفتهم وهم يدّعون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القضاة والمفتين، أجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم [[5] . وقوله]ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم [أي ولو كان أهل مصر مبغضين لحكامهم العبيديين فهذا لايمنع من أن بلادهم بلاد حرب.

فإذا كانت مصر دار ردّة وحرب زمن العبيديين مع نصبهم لقضاة الشريعة، فإن صورة ماردين المذكورة أسوأ من هذا إذ لم تجر عليها أحكام الإسلام، فهي دار حرب كما أسلفت إذا كانت على الصفة المتحصلة من الفتوى. ولايوجد في الديار مايُسمى بالدار المركبة - إلا من جهة الوصف لا الحكم - والديار قسمان لا ثلاثة كما سبق بيانه، وكما نقله علماء نجد عن ابن مفلح - وهو من تلاميذ ابن تيمية - أن الديار إما دار إسلام أو دار كفر ولا دار غيرهما، هذا والله تعالى أعلم.

فهذا مايتعلق بتغير صفة الدار، وأثر استيلاء الكفار على ديار الإسلام. وبالله تعالى التوفيق.

(1) هذا النظم للشيخ سليمان بن سحمان نقلته عن كتاب (الموالاة والمعاداة) لمحماس الجعلود، 2/ 522

(2) (مجموع الفتاوى) 13/ 178

(3) (البداية والنهاية، 12/ 267)

(4) (مجموع الفتاوي) 35/ 138 - 139

(5) (مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - القسم الخامس - الرسائل الشخصية) ص 220، ط جامعة الإمام محمد بن سعود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت