(تنبيه) على الفرق بين الحكم القضائي والحكم الدياني.
فإن قيل هل إذا ادعى من قال الكفر أو فعله أنه جاهل بأن هذا كُفْر، فهل يُقبل قوله؟.
والجواب: إن هناك فرقًا بين الحكم القضائي في الدنيا، والحكم الدياني على الحقيقة.
فإذا كان من ادعى الجهل متمكنا من العلم على الوجه الذي أسلفنا، فهو غير معذور ولا تنفعه دعواه عند الله تعالى، وعذره هو كأعذار المنافقين الذين كانوا يعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم فدرأت عنهم هذه الأعذار في حكم الدنيا ولم تنفعهم في الآخرة، فهذا المتمكن هو مع جهله كافر غير معذور بجهله في الحقيقة عند الله، ولو مات على هذه الحال لكان كافرًا مخلدًا في النار لا يخرج منها.
أما في الحكم القضائي: فقبول عذره مرجعه إلى القاضي الشرعي الذي يُرفع إليه أمره إن وُجد، ولم يكن قضاة السلف يقبلون اعتذار مثل هذا بالجهل، وراجع القسم الرابع من كتاب (الشفا) للقاضي عياض لتدرك هذا، وقد يَعتبر بعض القضاة هذا الاعتذار شبهة تدرأ الحد عنه، خاصة وأن حد الردّة هو من حقوق الله وهي مبنية على المسامحة بخلاف حقوق العباد. وغاية هذا إذا لم يقبل القاضي عذره أن يحكم عليه بالردة - مع استيفاء بقية الشروط - وتجب استتابته منها بعد الحكم وقبل استيفاء العقوبة بقتله، فإن تاب حكم بإسلامه.
ولكن في البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية لا وجود للقضاء الشرعي، وإن وُجد أحيانا فيما يُسمى بالأحوال الشخصية، فإن هذه القوانين لا تعتبر الردّة جريمة ولا تعاقب المرتد، وبناء على ذلك فإن فائدة الكلام في هذا الموضوع هي في المعاملات الشخصية للمسلمين، وسيأتي في مبحث الاعتقاد بالباب السابع بيان أهمية موضوع الإيمان والكفر وبيان الآثار المترتبة عليه في الدنيا إن شاء الله، ومن هذه المعاملات: إمامة الصلاة والنكاح والطلاق والحضانة والولاية على النفس والمال والمواريث والذكاة والشهادات وغيرها من الأحكام التي يؤثر فيها معرفة الدين، فإذا كانت هناك معاملة بين مسلم صالح في دينه وبين منتسب للإسلام يفعل المفكرات الجلية كترك الصلاة وسب الدين وشركيات القبور والأضرحة، فإنه يعامل هذا على أنه كافر في الحقيقة وإن كان جاهلًا بأن هذا كفر لأنه متمكن من معرفة ذلك وهو مُعرِض عن تعلم دينه، ويتأكد كُفره هذا إذا كان قد بُيِّن له أن هذا كُفر، ولو كان الذي بيّن له ذلك عاميا غير مستوفٍ لشروط القائم بالحجة الرسالية، فإنه يجب على المتلبس بالكفر إذا بلغه خبر أن يتثبت، لأن هذا واجب عليه ابتداء، فإن تاب وأقلع عن الكفر حُكِم بإسلامه، وإن أصر على ما هو عليه فهو كافر معاند. وهذا الكلام يترتب عليه إفساد كثير من الأنكحة في هذه البلاد بسبب ردة أحد الزوجين ويترتب عليه بطلان قسمة كثير من المواريث، وغير ذلك من الآثار التي يغفل عنها كثير من الناس.
والحكم بكفر شخص شيء ودعوته إلى الإسلام شيء آخر، كما سبق في بيان الفرق بين إقامة الحجة والدعوة، فهذا واجب وهذا واجب آخر، فيجب مواصلة دعوة هؤلاء لإعادتهم إلى حظيرة الإسلام.
وسيأتي شرح قاعدة التكفير في الباب السابع بمبحث الاعتقاد إن شاء الله.
وهذا آخر ما أذكر في موضوع الجهل والعذر به، وبه أختم الباب السادس وبالله تعالى التوفيق