فهرس الكتاب

الصفحة 1034 من 1285

إلى هذا في أحكام المفتي في الباب الخامس من هذا الكتاب عند الكلام في مسألة (هل يجوز له أن يفتي في حادثة لم يتقدم فيها قول لأحد؟) ، وقد بدأ الاقتباس من القوانين الإفرنجية مبكرًا في الدولة العثمانية وبدأ بالقوانين التجارية ثم تلاه في سائر القوانين مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وقد تبعتها في ذلك سائر الولايات العثمانية وهي الدول العربية، وقد ساعد استيلاء الصليبيين على بلاد المسلمين - فيما عُرف بالاستعمار الحديث - على الإسراع في إحلال القوانين الوضعية والنظم الإفرنجية محل الشريعة الإسلامية ليس في مجال التشريع والقضاء فحسب وإنما في سائر المجالات كالسياستين الخارجية والداخلية للدول وفي مجال التعليم والإعلام والاقتصاد كما ذكرته في المسألة الأولى من هذا الموضوع. وقد أدى هذا التبديل إلى صبغ الحياة الاجتماعية للمسلمين بصبغة إفرنجية كما هو مشاهد.

وقد علمت من النصوص المتقدمة ومن أقوال ابن تيمية والشاطبي أن الشريعة وافية بما يحتاجه البشر من أحكام إلى يوم القيامة، ولم يحوجنا الله معها إلى غيرها، وإلا لاحتاج البشر إلى نبيٍّ بعد نبينا عليه الصلاة والسلام وإلى دين ٍ بعد دينه وهذا ممتنع.

وفي بيان شمول أحكام الشريعة ووفائها بحاجة البشر قال ابن القيم رحمه الله[ومنها: أن قوله (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) النساء: 59 نكرة في سياق الشرط تعم كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقِّه وجِله، جلِيه وخفِيه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.

ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول عليه الصلاة والسلام هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.] [1] . وفي بيان وفاء الشريعة بمصالح الخلق إلى يوم القيامة، قال ابن القيم رحمه الله [وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد ٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تُحْوِج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.

وقد توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علمًا، وعلَّمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصَّمْت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والنار والجنة ويوم القيامة، وما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرَّفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعَرَّفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يُعَرِّفه نبي لأمته قبله، وعرفهم عليه الصلاة والسلام من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يُعَرّف به نبي غيره، وكذلك عرفهم عليه الصلاة والسلام من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى مَنْ يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرفهم عليه

(1) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت