الصلاة والسلام من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو عَلموهُ وعَقَلوه ورَعَوْه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدًا، وكذلك عرفهم عليه الصلاة والسلام من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره مالا مزيد عليه، وكذلك عرفهم عليه الصلاة والسلام من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها مالا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم عليه الصلاة والسلام من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعْظَمَ استقامة.
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة بِرُمَّته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَّقَ الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما ما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام خشية أن يشتغل الناسُ به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزَبَد أفكارهم وزُبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.
وقد قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) العنكبوت: 51، وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل: 89، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) يونس: 57] [1] .
ثانيا: تحقيق الشريعة لمصالح البشر الدنيوية والأخروية.
العلم بسُمُوّ أحكام الشريعة وتحقيقها لمصالح البشر مترتب على العلم بصفات من شرعها وهو الله تبارك وتعالى، فهو سبحانه (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) هود: 45، وهو سبحانه (خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) يوسف: 80، وهو سبحانه (الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يوسف: 83، وهو سبحانه (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يوسف: 64، وهو سبحانه (خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) المؤمنون: 109، وهو سبحانه (يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) غافر: 20، وهو سبحانه (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) الأنعام: 57، وهو سبحانه (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) الحديد: 6، وهو سبحانه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) غافر: 19، وهو سبحانه (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) المجادلة: 7، وقال تعالى (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك: 14، وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ق: 16، وهو سبحانه (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 375 - 377