فهرس الكتاب

الصفحة 1036 من 1285

أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) الأنعام: 60 - 62، وهو سبحانه (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) يونس: 4.

فهذه بعض صفات الشارع جل وعلا، فهل تكون شريعته إلا أثر من آثار صفاته؟ والجواب: بلى، وبهذا وصف الله شريعته فهي شريعة الخير والرحمة والعدل والحكمة ورعاية مصالح الناس الدنيوية والأخروية، فقال جل شأنه (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء: 9، وقال جل شأنه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) يونس: 57، وقال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام: 122، فوصف الله شريعته بأنها نور ورحمة وشفاء وهدى، كما وصف الله نبيه عليه الصلاة والسلام المبعوث بهذه الشريعة بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء: 107.

هذه صفات الشارع جل شأنه، فهل في الكفرة الأنجاس المشرعين للقوانين الوضعية من يستحق شيئا من هذه الصفات؟، هل فيهم من هو أحكم الحاكمين أو أرحم الراحمين؟ وهل فيهم من يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ وقال تعالى (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) يونس: 34 - 35. وهل في الكفرة الأنجاس المشرعين مِن دون الله مَن ينبئ الناس بما عملوا يوم القيامة؟. وعن أي شيء سيسأل الله تعالى خلقه يوم القيامة: عن شريعته وما عملوا فيها أم عن القوانين الوضعية؟، ولا شك أنه سبحانه سائلهم عن شريعته كما قال تعالى (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ، فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) القصص: 65 - 67.

واعلم أن هناك مصالح لا يقوم للناس دينهم ولا تستقيم لهم دنياهم ولا آخرتهم إلا بالمحافظة عليها، فإذا ضُيِّعت هذه المصالح فسدت دنيا الناس وأخراهم، وهذه المصالح هي ما يعرف بالضرورات الخمس: وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسب والعِرض وحفظ المال. وقد جاءت الشريعة بحفظ هذه الضرورات ورعاية هذه المصالح على السداد والتمام كما سنذكره قريبا إن شاء الله، في حين جاءت القوانين الوضعية الكافرة بالتفريط في هذه الضرورات وإضاعة هذه المصالح كما سنذكره في المسألة التالية إن شاء الله تعالى، وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويثبت الجهل ويُشرب الخمر ويظهر الزنا) وفي رواية (من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيّم الواحد) [1] والمقصود بشرب الخمر وظهور الزنا: كثرة ذلك واشتهاره كما في الروايات الأخرى للحديث، وكثرة النساء سببها كثرة الفتن وما يقع فيها من قتل الرجال كما جاء في بعض أحاديث أشراط الساعة وفيها (ويكثر القتل) . وسبب كون هذه العلامات المذكورة في الحديث السابق من أشراط الساعة هو كما قال ابن حجر رحمه الله [وكأن هذه

(1) رواهما البخاري (حديث 80 و 81)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت