الأمور الخمسة خُصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي: الدين لأن رفع العلم يُخل به، والعقل لأن شرب الخمر يخل به والنسب لأن الزنا يخل به، والنفس والمال لأن كثرة الفتن تخل بهما. قال الكِرماني: وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤذنا بخراب العالم لأن الخلق لايتركون هملا، ولانبي بعد نبينا صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، فيتعين ذلك. وقال القرطبي في «المفهم» : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت، خصوصا في هذه الأزمان] [1] . ومن هذا تعلم أن اختلال الضرورات الخمس - الواقع بسبب تطبيق القوانين الوضعية التي لا تحفظ دينا ولا نفسًا ولا نسبًا ولا عقلًا ولا مالًا - مؤذنٌ بخراب العالم وبوادر هذا الخراب ماثلة للعيان في سائر البلدان المحكومة بهذه القوانين.
وأما ما جاءت به الشريعة المطهرة لحفظ هذه الضرورات فمنها:
1 -في حفظ الدين: جاءت الشريعة بالأحكام الكفيلة بذلك ومنها:
• وجوب طلب العلم على كل مسلم (العلم العيني) وعلى عموم المسلمين (العلم الكفائي) .
• وجوب رجوع العامة إلى العلماء فيما يُشكل عليهم وفي فتاويهم ونوازلهم.
• وجوب نصب خليفة للمسلمين والذي من أول واجباته حفظ الدين على قواعده المستقرة.
• وجوب الدعوة إلى الإسلام.
• وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• وجوب الجهاد في سبيل الله وهو قتال الكفار دفعًا وطلبًا.
• مشروعية قتال الخوارج والبغاة.
• وضع قواعد للولاء والبراء حتى لا يتمكن الكافر أو المنافق أو المبتدع من مخالطة المسلمين وإفساد دينهم.
• معاقبة المرتد عن دينه.
• فتح باب التوبة للعصاة حتى الغرغرة.
2 -وفي حفظ النفس: جاءت الشريعة:
• بشرع القصاص في قتل العمد، قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) البقرة: 179.
• وشرعت الديات في قتل الخطأ واتلاف مادون النفس.
• وشرعت دفع الصائل على النفس.
• وشرعت حد الحرابة.
• وأباحت التداوي من الأمراض.
• وحرَّمت الانتحار.
• وحرَّمت كل ضار ٍ بالصحة حتى حَرَّمت الجلاّلة التي تأكل الخبائث حتى تطهر.
3 -وفي حفظ العقل: جاءت الشريعة.
• بتحريم شرب الخمر وكل مُسكر ومخدر.
• وأوجبت إقامة الحد على شاربها.
• وسدّت ذرائع شرب الخمر بتحريم صنعها وحملها والاتجار فيها.
(1) (فتح الباري) 1/ 179