فلأنه لا يثبت علمه وعدالته عند المخاطب - الذي ستقام عليه الحجة - إلا إذا كان يعرفه، وفي تعليل ذلك قال ابن حزم رحمه الله [وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين، فإذا كان الراوي عدلا حافظا لما تفقه فيه، أو ضابطا له بكتابه، وجب قبول نذارته. فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابه، فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل، وأغافل هو أم حافظ أو ضابط؟ ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه، فيلزمنا حينئذ قبول نذارته، أو تثبت عندنا جرحته، أو قلة حفظه وضبطه، فيلزمنا اطراح خبره.] [1] .
ويقال هنا ماقلته في مسألة (صفة من يستفتيه العامي) في أحكام المستفتي بالباب الخامس، وأنه يجب أن يتوثق من علمه وعدالته.
ومما يدل على هذا الشرط، شرط المعرفة:
قوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ) التوبة: 122، فأمر الله بقبول نذارة الطائفة المتفقهة على قومهم لكونهم منهم، بما يعني أنهم يعرفونهم ويعرفون عنهم التفقه في الدين.
وقال تعالى - منكرًا على كفار مكة - (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) المؤمنون: 69. فأنكر الله عليهم تكذيبهم له مع أنهم كانوا يعرفونه بالصدق والأمانة، كما ورد في تفسير قوله تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء:214، أنه لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطون قريش وقال لهم (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدّقِيّ؟، قالوا: نعم ماجربنا عليك إلا صدقًا قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) [2] .
وفي هذا المعنى أيضا قوله تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) هود: 50، (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) هود: 61، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) هود: 84.
وقد نبه على هذا الشرط - شرط المعرفة - الشافعي رحمه الله في كلامه عن خبر الآحاد، فقال: [وبعث رسول الله أبا بكرٍ واليًا على الحج في سنة تسعٍ، وحضره الحج من أهل بلدانٍ مختلفة، وشعوب متفرقة، فأقام لهم مناسكهم، وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم. وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة، فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آياتٍ من (سورة براءة) ، ونبذ إلى قومٍ على سواءٍ، وجعل لهم مُددًا، ونهاهم عن أمورٍ. فكان أبو بكر وعليُّ ُ معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق، وكان (مَن جَهِلَهما - أو أحدهما - من الحاج وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما. ولم يكن رسول الله ليبعث إلا واحدًا الحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه، إن شاء الله. - إلى أن قال - وبعث في دهرٍ واحدٍ اثنى عشر رسولًا، إلى اثنى عشر ملكًا، يدعوهم إلى الإسلام. ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة، وقامت عليه الحجة فيها، وألا يكتب فيها دلالات لمن بعثهم إليه على أنها كُتُبه. وقد تحرَّى فيهم ما تحرَّى في أمرائه: من أن يكونوا معروفين، فبعث دحية إلى الناحية التي هو فيها معروف. ولو أن المبعوث إليه جهل الرسول كان عليه طلب علم أن النبي بعثه، ليستبرئ شكه في خبر الرسول، وكان على الرسول الوقوف حتى يستبرئه المبعوث إليه. ولم تزل كُتُبُ رسول الله تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولًا إلا صادقا عند من بعثه إليه.] [3] .
(1) (الإحكام في أصول الأحكام) 1/ 138
(2) رواه البخاري (4770)
(3) (الرسالة) للشافعي بتحقيق أحمد شاكر، ص 414 - 419