إلى أن نقل عن أبي المظفر بن السمعاني قوله:
[إذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الثقات والأئمة وأسنده خَلَفُهم عن سلفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة.
وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال فلا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفِرَق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة مايذهب إليه بالخبر الواحد] [1] .
وهذا كله مما يبين أن الحجة الرسالية تقوم بخبر الواحد، مع بقية الشروط التالية، فإذا جاء الخبر من أكثر من واحد فهذا مما يزيده قوة ولكنه ليس شرطا لقبوله.
2 -وأما أن هذا الواحد يجب أن يكون عالما.
فلأن الله أمر بقبول خبر العالم المتفقه في قوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة: 122.
ولأن العلماء هم ورثة الأنبياء والقائمون بالحجة الرسالية بعدهم، كما قال صلى الله عليه وسلم (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر) [2] .
ولأن الجاهل فرضه السؤال لا التعليم، كما قال تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43.
ولكن لا يشترط فيمن يقيم الحجة أن يستوفي شروط الاجتهاد بحيث يكون متضلعًا من كافة العلوم الشرعية. وإنما يشترط أن يكون عالما بحكم المسألة التي يتكلم فيها، سواء كان مجتهدًا في المسألة أو ينقلها بدليلها أو ينقل الحكم بغير دليل. كما ذكرته في مراتب المفتين في الفصل الأول من الباب الخامس، وقال صلى الله عليه وسلم (بلّغوا عني ولو آية) [3] .
وكل من بلغه خبر من الدين ولم يثق في علم من نقله إليه، وجب عليه التثبت بسؤال من يثق بعلمه، إذا كان هذا الخبر يترتب عليه عمل في ذات نفسه، كما في حديث عقبة بن عامر لما تثبت في أمر خبر المرأة التي أخبرته أنها أرضعته وزوجه فرحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتثبت، وحديثه في الباب الخامس في أحكام المستفتي (إذا لم يجد من يفتيه ببلده؟) ، وكما في حديث والد العسيف الذي زني واختلفت عليه الأقوال فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتثبت، وحديثه أيضا في أحكام المستفتي (إذا اختلف عليه مفتيان فأكثر) .
3 -وأما أن هذا الواحد العالم يجب أن يكون عدلًا.
فلأن خبر الفاسق لا يوثق به، قال تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، وكما ذكرت آنفا، إذا لم تقم الثقة في المخبر فلا يعني هذا إطراح قوله بالكلية وإهماله، ولكن يجب التبين بسؤال من يوثق بعلمه وعدالته، لأن الله أمر بالتثبت والتبين بالنسبة لخبر الفاسق فقال (فَتَبَيَّنُوا) ولم يأمر بإهمال قوله بالكلية.
أما صفة العدالة فقد سبق بسط القول فيها في أحكام المفتي بالباب الخامس، عند الكلام في شروط المفتي.
4 -وأما أن هذا الواحد العالم العدل ينبغي أن يكون معروفًا عند من يخاطبه.
(1) من كتاب (مختصر الصواعق المرسلة) لابن القيم، اختصار محمد بن الموصلي، ص 464 - 485، ط دار الكتب العلمية 1405هـ
(2) رواه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان
(3) رواه البخاري