فإن أورد المخاطب أسئلة أو شبهات وجب الرد عليها فإن هذا من البلاغ المبين، وهذا إذا كانت الشبهات معتبرة ولها وجه، كأسئلة فرعون لموسى (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) طه: 49 - 52.
وإن أقيمت الحجة على شخص فلم يتبعها ولم يجب شيئا، فهذا المُعْرِض، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ) الأحقاف: 3.
وإن أقيمت الحجة على شخص فَرَدّ بالباطل والسخرية، فهذا مُعْرضُ ُ مستهزئ ينبغي الإعراض عنه كما قال تعالى (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف: 199، ومن الرد بالباطل أقوال فرعون بعدما انقطعت أسئلته (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) الشعراء: 27، (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) الشعراء: 29، و (مْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) الزخرف: 52. وهذا غالب حال الكفار ليست لهم حجج صحيحة يقاومون بها حجة الرسل كما قال ابن تيمية رحمه الله[ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل، إنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) الشعراء: 111، ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك، كما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم ابعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وبلال ونحوهم، وكان ذلك بمكة قبل أن يكون في الصحابة أهل الصفة، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولوا أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام: 52 - 53.
ومثل قول فرعون: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) المؤمنون: 47، وقول فرعون: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) الشعراء: 18 - 19, ومثل قول مشركي العرب: (إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) القصص: 57، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا) القصص: 57، ومثل قول قوم شعيب له: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء) هود: 87، ومثل قول عامة المشركين: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) الزخرف: 23.
وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل، بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهوائهم وعاداتهم، فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار] [1] .
وهذا كله فيما يتعلق بصفة إقامة الحجة وأنها ينبغي أن تكون بلسان المخاطب وأن تكون مفصلة مبيّنة كاشفة لكل شبهة.
ويبقى بعد ذلك تنبيهان متعلقان بهذه المسألة:
(التنبيه الأول) مسألة هل فهم الحجة شرط في بلوغها؟
إذ قد شاع عن بعض علماء الدعوة النجدية قولهم إن هناك فرقًا بين بلوغ الحجة وفهمها، وأن من بلغته الحجة فقد
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 191 - 192