قامت عليه وإن لم يفهمها.
ومن ذلك قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله [وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان: 44. وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع وقد قامت عليهم وفهمهم إياها نوع آخر وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها. إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» وقوله: «شر قتلى تحت أديم السماء» مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها] [1] .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي [قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله: وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة، قال الله تعالى (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان:44، وقال تعالى (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ) البقرة:7] .
قلت ومعنى قوله رحمه الله تعالى: [إذا كان على وجه يمكن معه العلم فمعناه أن لا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له، ونحو هؤلاء فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، قال الله تعالى (لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) الأنعام: 19، وقال تعالى (يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء: 165، فلا يعذر أحد في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم] [2] .
وهذا كثير في كتاباتهم.
فإن أرادوا:
1 -أن فهم الحجة كما يفهمها أهل الإيمان والقبول ليس شرطا في إقامتها بعد بلوغها، فهذا صواب.
2 -وإن أرادوا أن فهم الحجة بمعنى معرفة المراد منها ليس شرطا في إقامتها بعد بلوغها فهذا خطأ. لأن الله تعالى بيّن أن الكفار فهموا المراد من دعوة الرسل وأنهم يدعون إلى التوحيد واجتناب الشرك، فمن هذا قوله تعالى عن قول عادٍ لنبيهم هود (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) الأعراف: 70، وقال تعالى حكاية عن كفار مكة (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) ص: 5، وقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات: 35 - 36، وهذه الآيات ونحوها تبيّن أن الكفار
(1) من كتاب (الرسائل الشخصية) ص 244 - 245، وهو الجزء الخامس من مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ط جامعة الإمام محمد بن سعود
(2) (كشف الشبهتين) لسليمان بن سحمان، ص 91 - 92 وانظر أيضا (الدرر السنية في الأجوبة النجدية - كتاب المرتد - 8/ 245)