فهموا المراد من دعوة الرسل وفهموا معنى شهادة أن (لا إله إلا الله) وأنها تقتضي إخلاص العبادة لله وحده وخلع الأوثان المعبودة من دونه، ولكنهم امتنعوا عن الإيمان بها استكبارًا وعنادًا. وقد نبّه محمد بن عبد الوهاب نفسه على هذا المعنى في رسالته (كشف الشبهات في التوحيد) وقال إن مشركي العرب فهموا من معنى شهادة (أن لا إله إلا الله) مالم يفهمه كثير من المتأخرين، ونبّه على هذا أيضا حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب (فتح المجيد) في رسالته (المورد العذب الزلال في كشف شبهة أهل الضلال) . وقد سبق فيما نقلته عن ابن تيمية قوله [وقوله تعالى (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ) التوبة:6، قد علم أن المراد أن يسمعه سمعًا يتمكن معه من فهم معناه، إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى] [1] . وهذا كله داخل في معنى البلاغ المبين الواجب على من يقيم الحجة.
والحاصل أن فهم المعنى المراد من الحجة شرط في صحة إقامتها.
ويرتفع الإشكال في هذه المسألة بمعرفة أن الفهم فهمان، وكذلك السمع سمعان، وكذلك الهداية هدايتان، وقد أثبت الله تعالى للكفار نوعًا من السمع والعقل والهداية، ونفى عنهم نوعًا آخر، والنوع الأول المثبت لهم شرط في قيام الحجة عليهم وهو متعلق بفهم معنى الحجة وفهم المراد منها، أما النوع الثاني المنفي عن الكفار فهو متعلق بقبول الحجة والإيمان بها والانقياد لها.
1 -فأما جهة السمع، فهو نوعان:
(أ) سماع الإدراك: وهذا أثبته الله للكفار في قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) الأنفال: 31، وقال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ) التوبة: 6.
(ب) سماع القبول والاستجابة: وهذا نفاه الله عن الكفار في قوله تعالى (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) الأنفال: 23، وفي قوله تعالى - حكاية عن أهل النار - (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: 10.
فأثبت الله لهم سمعًا (قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا) ونفى عنهم سمعًا (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ) ، فالمثبت سماع الإدراك وفهم المعنى، والمنفي سماع القبول والاستجابة.
2 -وكذلك العقل نوعان:
(أ) العقل الذي هو مناط التكليف الذي يتمكن به المكلف من فهم المعنى، وهذا أثبته الله للكفار، قال تعالى (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة: 75، فأثبت الله لهم سمعًا يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ) وأنهم فهموا معناه (مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .
(ب) العقل المستلزم لقبول الحجة والاستجابة لها، وهذا نفاه الله عن الكفار في قوله تعالى (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: 10، وأخبر الله تعالى أنه سلبهم هذا العقل عقوبة لهم على إعراضهم كما قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) الكهف: 57، فبيّن سبحانه أن هذا الطبع
(1) (الجواب الصحيح) 1/ 68