على قلوبهم وآذانهم كان عقوبة لهم على إعراضهم (فأعرض عنها .... إنا جعلنا على قلوبهم أكنة) .
3 -وكذلك الهداية هدايتان:
(أ) هداية الإرشاد: وهذه أثبتها الله للكفار، كما قال تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) فصلت: 17، وفي قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الشورى: 52.
(ب) وهداية القبول والاستجابة: وهذه نفاها الله عن الكفار، كما قال تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) القصص: 56، وقوله تعالى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) البقرة:272. فبيّن سبحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف بهداية الإرشاد (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) , وغير مكلف بهداية القبول (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) فهذه لله تعالى وحده.
وإنما أثبت الله تعالى للكفار سماع الإدراك وفهم المعنى وهداية الإرشاد لأن هذا شرط في قيام الحجة ولا تقوم إلا به. ونفي عنهم النوع الثاني المتعلق بالقبول والاستجابة - الذي مَنّ به على المؤمنين - إذ لم يشأ الله لهم الإيمان. وهذا هو فصل الخطاب في الفهم المثبت للكفار والفهم المنفي عنهم. قال ابن القيم رحمه الله [ولهذا نفي سبحانه عن الكفار الأسماع والأبصار والعقول لما لم ينتفعوا بها. وقال تعالى (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) الأحقاف: 26، وقال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا) الأعراف: 179، ولما لم يحصل لهم الهدى المطلوب بهذه الحواس كانوا بمنزلة فاقديها قال تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) البقرة: 171] [1] .
(التنبيه الثاني) الفرق بين إقامة الحجة وبين الدعوة
وبينهما فرق:
فإقامة الحجة كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ) المدثر: 1 - 2، وقوله تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) الأنعام: 19.
وأما الدعوة فكما في قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) القصص: 51.
والذي يترتب عليه الوعيد في الدنيا والآخرة هو إقامة الحجة، أما الدعوة وهي مواصلة التذكير فإنها واجب آخر ووسيلة لانتشار الدين وتكثير أتباعه، فإن مِن الناس مَن يستجيب للدعوة بمجرد بلوغ الحجة كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومنهم من لا يستجيب إلا بعد سنين كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنهم من لا يستجيب إلا بعد خصومة وقتال كأبي سفيان رضي الله عنه، ومنهم من لم يستجب ومات كافرًا كأبي جهل وأبي لهب، وكلهم قد قامت عليه الحجة من يوم أن صدع بها النبي صلى الله عليه وسلم.
وإقامة الحجة الرسالية على النحو المذكور في هذا الفصل هو من فروض الكفاية على المسلمين، إذا لم يقم به من يكفي
(1) (مفتاح دار السعادة) 1/ 101
ومن شاء المزيد في هذه المسألة فليرجع إلى: (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 1/ 208 - 209، ج 7/ 24، ج 9/ 286 - 287، ج 16/ 8 - 15, (مدارج السالكين) لابن القيم، ط دار الكتب العلمية، ج 1/ 51 - 58، ج 1/ 518 - 520, (مفتاح دار السعادة) لابن القيم، ط دار الفكر، ج 1/ 101 - 102, (التفسير القيم) لابن القيم، ط دار الكتب العلمية، ص 37 وما بعدها