فهرس الكتاب

الصفحة 1245 من 1285

الصالحة التي تعينه على طاعة الله، ولأجل هذا شرعت الهجرة في سبيل الله، لما في مخالطة الكافرين بالعيش بينهم من مفسدة عظيمة في دين من يخالطهم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) [1] .

وكما أن مخالطة الكافرين من أسباب فساد دين من يخالطهم، فكذلك أيضا مخالطة الفسّاق والعصاة، ألا ترى إلى قاتل المائة كيف نصحه العالم بالتحول عن بلده إذ كانت بلد سوء كما ورد في حديث أبي سعيد مرفوعا [ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل ٍ عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولاترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء] [2] . فالصحبة صالحة كانت أو سيئة لها تأثير عظيم على الإنسان، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) [3] ، وكان السلف يسيئون الظن بمن يصاحب أهل الفساد لما للمخالطة من أثر، حتى قال الأوزاعي [من أخفى عنا بدعته لم تخف علينا ألفته] [4] ، وعلى العكس من ذلك فإن الناس يظنون الخير بمن يخالط أهل الصلاح ويتعجبون أن يأتي مثله بمعصية، قال تعالى (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) مريم: 27 - 28. ألا ترى أن قوم السيدة مريم لما ظنوا بها السوء كان أول مانظروا فيه حال أسرتها فوصفوا حال أبيها وأمها وأخيها بالصلاح وتعجبوا كيف يمكن أن تكون السيدة مريم بخلاف ذلك؟.

والخلاصة: أن الصحبة لها أثر عظيم على الإنسان، فإن كانت صالحة فهي نعمة من الله ينبغي شكرها والحرص عليها، وإن كانت سيئة فينبغي أن يتحول عنها الإنسان فيتحول عن بلد السوء أو المسكن السوء أو الجار السوء أو الأهل السوء إن قدر على ذلك، وإلا فيعتزلهم قدر الإمكان ويصبر على ذلك، قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) - إلى قوله - (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) لقمان:14 - 15، وقال تعالى - في حق الوالدين أيضا - (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا) الإسراء: 28، وقال تعالى (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) الكهف: 16، ونحوها من الآيات الدالة على وجوب اعتزال صحبة السوء.

فهذا مالابد منه للإنسان لاكتساب الفضائل والتخلص من الرذائل، فلابد له من العلم، والمجاهدة للعمل بما علم، والصحبة الصالحة. والشيء الذي بوسعنا أن نساعد فيه إخواننا المسلمين - من هذه الأمور الثلاثة - هو العلم، بأن ندلهم على الكتب الجيدة التي يمكن أن يتعلموا منها آداب الباطن والظاهر، ثم إن على كل مسلم بعد ذلك أن يجاهد نفسه بحملها على العمل بما علم، وعليه أن يتحرى الصحبة الصالحة التي تعينه على العلم والعمل ويعتزل صحبة السوء التي تصده عن ذلك. هذا، وسوف نذكر في كتب الرقائق أن قراءة سيَر الصالحين قراءة معايشة مما يقوم مقام الصحبة الصالحة ويعوض عنها ولو جزئيا إذا عجز عنها الانسان.

(فصل) الكتب التي نوصي بها لتعلم الآداب الباطنة والظاهرة

(1) الحديث رواه الترمذي وأبو داود

(2) الحديث متفق عليه

(3) رواه الترمذي وحسّنه

(4) رواه ابن بطة في الإبانة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت