فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 1285

روى مسلم في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين قال] لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سَمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم[أه. ومحمد بن سيرين توفي عام 110ه، وكلامه هذا يعني أن السؤال عن الإسناد والبحث في أحوال رجاله متقدم عن هذا التاريخ، ويؤكد هذا مارواه مسلم في مقدمة صحيحه أيضا عن مجاهد قال (جاء بُشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يُحدِّث ويقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجعل ابن عباس لايأذن لحديثه ولاينظر إليه، فقال: ياابن عباس مالي لاأراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا تسمع؟، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ابتدرته أبصارُنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبَ والذلول لم نأخذ من الناس إلا مانعرف) أه. ومعنى (لايأذن) أي لا يسمع، والمراد بقوله (إنا كنا مرة) أي وقتًا ويعني به قبل ظهور الكذب. وابن عباس رضي الله عنهما توفي عام 68ه، وهذا يبين أن البحث في الإسناد بدأ في النصف الثاني من القرن الأول الهجري.

وأصبح الإسناد من خصائص هذه الأمة إلهامًا من الله تعالى حفظ به على المسلمين دينهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، وليست هذه الخصيصة لأمة من الأمم السابقة ولهذا دخل التحريف والتبديل على كتبهم السماوية وأخبار أنبيائهم عليهم السلام. قال عبدالله بن المبارك (181ه) :] الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ماشاء [[1] . وقال أبو حاتم الرازي 277ه]لم يكن في أمةٍ من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة [[2] . وقال الحاكم النيسابوري 405 هـ - صاحب المستدرك ومعرفة علوم الحديث -]لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لدُرس منار الإسلام ولتمكن أهل الالحادوالمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد [.

ولم يقتصر البحث في أحوال الرواة (رجال الأسانيد) على كشف الكذب والوضع فقط، وإنما اتفق العلماء على وضع قوانين لضبط الرواية لتمييز مايُقبل من الحديث ومايُرد، فقسّموا الحديث إلى صحيح مقبول وضعيف مردود. وقالوا إن الحديث الصحيح (هو مااتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا عِلّة) وهذا التعريف يشتمل على خمسة شروط إذا انخرم منها شرط صار الحديث ضعيفًا، إلى أن جاء أبو عيسى الترمذي (279 هـ) وأضاف قسمًا ثالثا وهو الحديث الحسن وتعريفه كالصحيح إلا أن رواته أو بعضهم أخف ضبطًا من رواه الصحيح. وأصبح البحث في أحوال الرواة بهذا يتضمن البحث في ثلاثة أشياء.

1 -اتصال السند: بمعرفة تواريخ الرواة (مواليدهم ووفياتهم) لمعرفة إمكان لقاء بعضهم ببعض من عدمه، والبحث عن شيوخ كل راوٍ وتلاميذه، والبحث عن رحلته إلي الأمصار المختلفة لسماع الحديث وتاريخ رحلته. وسُمي العلم المختص بذلك (بعلم تاريخ الرواة) ، وإذا أطلق مصطلح (التاريخ) عند الأقدمين فالمقصود به غالبا تراجم الرواة والعلماء لا تأريخ الأحداث التاريخية، وهذا (كتاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، و (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم، و (تاريخ دمشق) لابن

(1) رواه مسلم في مقدمة صحيحه

(2) رواه الخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث) ص 43

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت