وبالردّ على هذه الشبهة اختم الكلام في الرد على الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وبعد:
فقد قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) الأنعام: 112 - 113.
فدلت هذه الآية على أنه لابد للحق الذي جاء به الأنبياء من أعداء من الإنس والجن لهم شبهات يزينونها ويزخرفونها ليصدوا عن سبيل الله، وأن هذه سنة قدرية لابد أن تقع كما يدل عليه قوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) فإن (وَلَوْ) حرف امتناع لامتناع، فدل على أنهم لابد أن يفعلوا ذلك لامتناع المشيئة بعدمه، ثم ذكر المولى جل وعلا الحكمة من هذه السنة القدرية، وهي أن الله جعل هذه الشبهات وهي (زُخْرُفَ الْقَوْلِ) فتنة للناس: أما المؤمن فلا يزداد بها إلا بصيرة في الحق، وأما المنافق فيصغى لها ويرضى بها ولاتزيده إلا ضلالا (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) .
فإنه لا بد من المحنة والفتنة والاختبار في هذه الدنيا. كما قال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: 2 - 3.
وهذه الشبهات نوع من الفتنة يختبر الله بها عباده، ولهذا فإنها لن تنتهي ولن تنقطع مادامت هناك طائفة على الحق قائمة بأمر الله فلابد أن يوجد من يخالفها ويخذلها، وستنشأ شبهات أخرى، وفي الكتاب والسنة الرد على كل زائغ إلى يوم القيامة كما قال تعالى (وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) الفرقان: 33، ولايزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته.
وإن بعض هذه الشبهات أعجب كيف نشأت في ذهن صاحبها ولا أجد لها سببا إلا كما قال تعالى (شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) الأنعام: 112، وكما قال تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121.
نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مضلات الفتن، وأن يثبتنا على دينه، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة، إنه على كل شيء قدير.
وبهذا أختم الكلام في موضوع (الحكم بغير ماأنزل الله) وبالله تعالى التوفيق.