فهرس الكتاب

الصفحة 1200 من 1285

فهذه الأدلة ونحوها تثبت أن الكافر قد يفعل الخيرات، فإن كان يفعلها إخلاصًا وتعبدًا كوفيء بها في الدنيا كما في حديث أنس عند مسلم، وإن كان يفعل ذلك رئاء الناس كما هو حال الحكام الكافرين الذين يفعلون الخيرات تلبيسا على الناس فلا شيء لهم لافي الدنيا ولا في الآخرة.

والحاصل: أن الكافر قد يفعل الخيرات وأعمال البر، وهذا لايمنع من تكفيره إذا لم يأت بأصل الإيمان، أو إذا كان معه ماينقص أصل الإيمان كما هو حال الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية، قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، هذا وبالله التوفيق.

الشبهة التاسعة عشرة: أنه لا يجوز تحديث العامة بهذه الأمور.

يعني صاحب الشبهة أن أمر تكفير هؤلاء الحكام ووجوب جهادهم لايجوز تحديث العامة به، وهذا خطأ.

فإن الشيء الذي يُفَضّل عدم تحديث العامة به هو مازاد عن فرض العين من العلم الواجب، وقد بوّب عليه البخاري في كتاب العلم من صحيحه في باب [من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه] . فوصفه البخاري (بالاختيار) أي مايستوي الإخبار به والسكوت عنه، وقد يكون السكوت عنه أولى أحيانا.

أما مسألة حكم الحاكم فمعرفتها من العلم الواجب على كل مسلم ليست من الاختيار، وذلك لسببين:

1 -السبب الأول: أن مسائل التشريع والحكم والتحاكم متعلقة بصلب التوحيد كما ذكرت في المسألة الثانية من هذا الموضوع، والإخلال بهذه المسائل من نواقض التوحيد، والتوحيد يما يتضمنه من وجوب الإيمان بالله والكفر بالطاغوت هو أول واجب على المكلف، كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، وقال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) البقرة: 256، وقال عليه الصلاة والسلام - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى أهل اليمن - (ليكن أول ماتدعوهم إلى أن يوحّدوا الله) [1] . فمعرفة التوحيد ونواقضه أول واجب على المكلف.

2 -والسبب الثاني: أن هناك واجبات شرعية على المكلف مترتبة على معرفته حكم حاكمه، فإذا كان الحاكم مسلما وجب على كل مسلم أن يسمع له ويطيع وأن ينصره، وإذا كان الحاكم كافرًا فلا سمع له ولاطاعة ووجب الخروج عليه وخلعه ويجب على كل مسلم القيام في ذلك كما نقلته عن ابن حجر [2] .

والحاصل: أنه يجب إشاعة العلم بأمر كفر الحكام ووجوب جهادهم لأجل خلعهم ونصب حاكم مسلم في العامة لأن هذا واجب على كل مسلم. ولأن جهادهم فرض عين على كل مسلم كما سبق بيانه في المسألة التاسعة. وإشاعة العلم بذلك مما يعجل بتغيير هذه الأنظمة الكافرة بإذن الله تعالى إذا علم كل مسلم مايجب عليه من ذلك.

أما عدم تحديث العامة بذلك فهو غاية مايطمح إليه الحكام الطواغيت ليبقى حملة هذا العلم قلّة معزولة يرميهم الحكام وأنصارهم بكل ضلالة وشناعة وسط جهل العامة بحقيقة الأمر، وروي البخاري عن عمر ابن عبدالعزيز قوله [إن العلم لايهلك حتى يكون سِرًّا] .

وقال (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة: 159 - 160.

(1) الحديث متفق عليه

(2) (فتح الباري) 13/ 123

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت