فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 1285

فهذا هو حال المنافقين الذين كانت تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، أما من ظهر كفره واشتهر كهؤلاء الحكام فهو كافر مرتد وتسميته منافقا خطأ ظاهر، والله الموفق.

الشبهة الثامنة عشرة: أن بعض هؤلاء الحكام لهم أعمال صالحة، فكيف يكفرون؟.

وسواء كانت هذه الأعمال الصالحة في ذوات أنفسهم كالصلاة والصيام والحج، أو كانت متعدية النفع إلى الناس كبناء المساجد وطباعة المصاحف ونحو ذلك. فهذا كله لايمنع من تكفيرهم إذا قام المقتضي لذلك. وبيان هذا من وجهين:

1 -الوجه الأول: أنني قد ذكرت في مبحث الاعتقاد عند شرح قاعدة التكفير أن العبد لايدخل في الإيمان الحقيقي إلا بمجموع خصال ولكنه يخرج منه إلى الكفر بخصلة واحدة، قال تعالى (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) التوبة: 74، فبيّن الله جل وعلا أنهم كفروا بكلمة واحدة مع أنه كان معهم إسلام بما يعني أنهم يتشهدون ويُصلّون، ولم يمنع هذا من تكفيرهم إذا وجد سبب الكفر، ولايلزم للتكفير أن يزول كل مامع العبد من خِصال الإيمان وشعبه.

والصحابة عندما أكفروا مانعي الزكاة لم يكفروهم إلا بهذه الخصلة، ولم يشترطوا زوال بقية شعب الإيمان لأجل تكفيرهم فهذا شرط فاسد مخالف للأدلة.

2 -الوجه الثاني: أنه لايوجد مايمنع من قيام الكافر ببعض أعمال البر وخصال الخير، وهي من شعب الإيمان، ولكنه لايُسمى مؤمنا ولاتنفعه هذه الشعب في الآخرة إذا لم يأت بأصل الإيمان أو إذا كان معه ماينقض أصل الإيمان. ومن أمثلة ذلك:

(أ) قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) التوبة: 28، فدلت الآية على أن المشركين كانوا يحجون إلى البيت الحرام إذ كانوا على بقيةٍ من دين إبراهيم عليه السلام مع مادخله من تحريف، وذلك حتى العام التاسع بعد الهجرة حين بعث النبي عليه الصلاة والسلام عليًا رضي الله عنه فنادى في موسم الحج (ألا يحج بعد العام مشركٌ) [1] .

(ب) قوله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَاتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) التوبة: 54، فثبت أنهم كانوا ينفقون ويصلون مع كفرهم، ولهذا فلا تنفعهم أعمال البر هذه مع الكفر.

(ج) عن العباس رضي الله عنه أنه قال: يارسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك، قال عليه الصلاة والسلام (نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) [2] . فثبت بهذا الحديث أن أبا طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام كان ينصره ويمنعه من عدوّّه، وهذا من أعظم شعب الإيمان، إلا أن هذا لم يمنع من تكفيره لما لم يأت بأصل الإيمان، فقد ثبت في الصحيحين أنه أبى أن يقر بالشهادتين حين حضرته الوفاة ومات كافرًا. وإن نفعه فعله في تخفيف العذاب إلا أنه لايخرج من النار.

(د) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يارسول الله، ابن جُدعان كان في الجاهلية يَصِل الرحم ويُطعم المسكين فهل ذاك نافعه، قال عليه الصلاة والسلام (لاينفعه، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) [3] .

(1) الحديث رواه البخاري

(2) الحديث متفق عليه

(3) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت