3 -فإذا أظهر المنافق كفره الذي يُبطنه سُمِّي كافرًا ومرتدًا، كما قال ابن تيمية [ولم يحكم النبي عليه الصلاة والسلام في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر] [1] ، فبيّن أن من أظهر الكفر سُمّى كافرًا، أما المنافق فهو من يُخفي الكفر ويستسر به كما تقدم بيانه، وقال ابن تيمية أيضا [بل أصل هذه البدع هو من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين، فهؤلاء كفار في الباطن، ومن عُلِمَ حالُه فهو كافر في الظاهر أيضا] [2] . وقال ابن تيمية أيضا [فهذه الأقوال ونحوها هي من الكفر المخالف لدين الإسلام باتفاق أهل الإسلام، ومن قال منها شيئا فإنه يُستتاب منه، كما يُستتاب نُظراؤه ممن يتكلم بالكفر، كاستتابة المرتد إن كان مُظهرًا لذلك، وإلا كان داخلًا في مقالات أهل الزندقة والنفاق] [3] .وخلاصة أقوال ابن تيمية: أن من أظهر الإسلام وأخفى الكفر فهو منافق، فإن أظهر هذا الكفر سُمي كافرًا ومرتدًا وإن كان يظهر الإسلام إذ قد نقضه بما أظهره من الكفر. والدليل على هذا من كتاب الله قوله تعالى (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 64 - 66. فدلت هذه الآية على أن من يُخفي الكفر ? ? ?چ سُمي منافقا (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ، فإن أظهر هذا الكفر في قول أو فعل مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) سُمي كافرًا (قَدْ كَفَرْتُم) .
فهل هؤلاء الحكام الحاكمون بالقوانين الوضعية يخفون الكفر أم يظهرونه؟ ولاشك في أنهم يظهرونه ويصّرحون به في دساتيرهم وقوانينهم وفي حُكمهم وإلزامهم. فهؤلاء كفار مرتدون ليسوا منافقين بالمعنى الاصطلاحي الشرعي.
4 -أما المنافقون على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم الذين كانوا يُظهرون الإسلام ويخفون الكفر، فكانوا قسمين:
(أ) قسم لم يُظهر كفره أبدا، فلم يعلم بأمره أحد من المسلمين، كما قال تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) التوبة: 101.
(ب) وقسم ظهر كفُره في الوجود والواقع ولكن دون أن يثبت ثبوتًا شرعيًا يؤاخذ به في أحكام الدنيا، وقد تكلمت في هذه المسألة عند الكلام في ثبوت الردة عند شرح قاعدة التكفير بمبحث الاعتقاد، فراجعه هناك. وحاصله أن ماكان يظهر من هذا القسم هو أحد شيئين:
الأول: أقوال محتملة للكفر غير صريحة، كما قال تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) محمد: 30.
والثاني: أقوال صريحة في الكفر، ولكنها كانت تنقل للنبي عليه الصلاة والسلام بشهادة صبيّ أو امرأة أو رجل واحد بما لاتقوم بمثله حجة في الثبوت الشرعي للردة، والذي لابد فيه من إقرار أو شهادة رجلين عدلين.
ولم يؤاخذهم النبي عليه الصلاة والسلام بما علمه من كفرهم بالوحي تشريعا للأمة في إجراء أحكام الدنيا على الظاهر. وقد نقلت في مبحث الاعتقاد أقوال ابن تيمية والقاضي عياض في ذلك [4] .
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 210
(2) (مجموع الفتاوى) 12/ 497
(3) (منهاج السنة النبوية) 8/ 59 - 60
(4) وراجع في هذا: (الصارم المسلول) لابن تيمية ص 354 - 358 و 467. و (مجموع الفتاوى) 7/ 213. و (الشفا) للقاضي عياض، 2/ 961 - 964، ط الحلبي. و (اعلام الموقعين) لابن القيم، 3/ 140. و (تفسير القرطبي) 1/ 199، و 16/ 252 - 253