فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 1285

لايُسمى باغيا، وإنما الباغي هو من خرج على الإمام الحق بغير حق، وحول هذا المعنى تدور تعريفات الباغي في المذاهب الفقهية الأربعة [1] .

ولم يقل أحد إن الإمام المسلم يوصف بالبغي إلا ابن حزم [2] ، والصواب هو القول الأول وأن الإمام إذا ظلم لايوصف بالبغي وإنما يوصف بالجور كما قال عليه الصلاة والسلام (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) [3] .

والذي أدى بالاستاذ الهضيبي إلى وصف الحاكم - ولو مسلما - بالبغي هواعتماده فيما يكتبه على مؤلفات ابن حزم فتابعه على قوله هذا، ومن هنا حذّرت في المبحث السابع - الخاص بدراسة الفقه - من شذوذ ابن حزم، وهذا أنموذج من الاعتماد على أقواله دون غيره.

والحاصل: أن الحاكم سواء كان مسلمًا أو كافرًا لايوصف بأنه باغٍ بالمعنى الشرعي لهذا المصطلح. أما الحكام الحاكمون بالقوانين الوضعية فهم كفار كفرًا أكبر ووصفهم بأنهم بغاة حكم لهم بالإسلام وتحريم للخروج عليهم وإسقاط لوجوب جهادهم، لاتفاق أهل السنة - بعد الخلاف القديم - على أن السلطان لايُخرج عليه إلا بالكفر البواح. هذا وبالله التوفيق.

الشبهة السابعة عشرة: القول بأن الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية منافقون.

وهذا أيضا خطأ لأنه حكمٌ لهم بالإسلام بما يعني تحريم الخروج عليهم، إذ لم يختلف المسلمون في أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أجرى على المنافقين حكم الإسلام في الظاهر.

وهذه الشبهة تدل على عدم علم صاحبها بأحكام النفاق والمنافقين.

1 -فالمنافق (وهو الزنديق أيضا) هو الذي يُظهر الإسلام ويُخفي الكفر أو يُبطن الكفر، لم يختلف العلماء في ذلك. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير أول سورة البقرة [شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر - إلى قوله - وقوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) البقرة: 9، أي بإظهارهم ماأظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك] [4] .

2 -ومن كان هذا حاله فلا خلاف في أنه تجري عليه أحكام الإسلام كما قال ابن تيمية رحمه الله [وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين لأنهم استسلموا ظاهرًا، وأتو بما أتوا به من الأعمال الظاهرة، بالصلاة الظاهرة والزكاة الظاهرة والحج الظاهر والجهاد الظاهر، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يُجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر - إلى أن قال - والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وإن كانوا في الدنيا مسلمين ظاهرًا تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة] [5] . وقال ابن تيمية أيضا [وقد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يُجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين] [6] .

(1) انظر للأحناف (حاشية ابن عابدين) 3/ 426، وللمالكية (شرح الزرقاني على مختصر خليل) 8/ 60، وللشافعية (نهاية المحتاج) للرملي، 7/ 382، وللحنابلة (كشاف القناع) 4/ 114، وللظاهرية (المحلى) لابن حزم، 11/ 97 - 98

(2) (المحلى) 11/ 99

(3) رواه النسائي بإسناد صحيح

(4) (تفسير ابن كثير) 1/ 49 - 50. وللقرطبي مثله في (تفسيره) 1/ 195 - 196، ولابن تيمية مثله في (مجموع الفتاوى) 7/ 471، ولابن حجر مثله في (فتح الباري) 12/ 271، ولابن قدامة مثله في (المغني مع الشرح الكبير) 7/ 171، و 10/ 79

(5) (مجموع الفتاوى) 7/ 351 - 352

(6) نقلا عن (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 2/ 462 - 463

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت