حجر، فكذلك لايكون الخوف مانعا من تكفير الحاكم بغير ماأنزل الله، فالكفر هو الكفر وإن اختلف سببه سواء كان كفره بسبب ترك الإقرار بالشهادتين أو بسبب ترك الحكم بما أنزل الله.
وأحب أن أنبّه هنا على أن قول ابن تيمية إن قوم النجاشي لم يكونوا ليوافقوه على إظهار دينه والحكم به، وأنه كان لايستطيع أن يخالفهم، وأن هذا الكلام قاله ابن تيمية رحمه الله برأيه أو هو شيء استنبطه، وقد قال ابن القيم عكسه تماما. وأن النجاشي أظهر دينه - أو ما علمه من الدين - وأن قومه أطاعوه وأن هرقل علم بإسلامه لأن النجاشي كان يدفع له خراجًا ولما أسلم امتنع من دفعه. فرجلٌ يحمله دينه على تحدي هرقل ثم يخشى أن يحكم بالقرآن؟. والصواب في هذا كله أنه عمل بما بلغه من الدين. أما ماذكره ابن القيم فهو في (زاد المعاد) في (ذِكر هديه عليه الصلاة والسلام في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم) وفيه [أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث عمرو بن العاص إلى ملك عُمان يدعوه إلى الإسلام، وهو جيفر وأخيه عبد ابني الجلندي، فسأل عبد ابن الجلندي عمرًا فقال فيما رواه عمرو (فسألني أين كان إسلامك، قلت عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال فكيف صنع قومه بُملكه، فقلت أقروه واتبعوه، قال والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت نعم، قال انظر ياعمرو ماتقول إنه ليس من خصلة في رجل أفصح له من الكذب، قلت ماكذبت ومانستحله في ديننا، ثم قال ماأرى هرقل عَلِم بإسلام النجاشي، قلت بلى، قال بأي شيء علمت ذلك، قلت كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد عليه الصلاة والسلام قال لا والله لو سألني درهما واحدًا ماأعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه أتدع عبدك لايخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا قال هرقل رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ماأصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال انظر ماتقول ياعمرو، قلت والله صدقتك] [1] .
وهذا كله في بيان خطأ ماذهب إليه شيخ الإسلام من أن النجاشي لم يحكم بالقرآن لأنه قومه لن يطيعوه في ذلك. والصواب أنه لم يحكم بالقرآن لأنه لم تبلغه الأحكام الشرعية التفصيلية. وشيخ الإسلام مع جلالته ورسوخ قدمه في العلم إلا أنه غير معصوم، وبالله تعالى التوفيق.
الشبهة السادسة عشرة: القول بأن هؤلاء الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعيةبغاة [2] .
وهذا القول خطأ لأنه حكم لهؤلاء الحكام بالإسلام، وهم كفار كفرًا أكبر، وذلك لأن الباغي - بالمصطلح الشرعي - مؤمن لم يخرج ببغيه من الإسلام، قال تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) - إلى قوله - (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات: 9 - 10، فسمّاهم الله تعالى مؤمنين مع البغي. وهذا لاخلاف عليه بين علماء أهل السنة. فوصف هؤلاء الحكام بالإيمان مع ماقدمناه من الأدلة على كفرهم هو خطأ ظاهر.
نعم، يجوز وصف الكافر بأنه باغ ٍ بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي، ولكن لاخلاف في أن اللفظ إذا أطلق يجب صرفه إلى معناه الشرعي، ومن هنا كان خطؤه. أما تسمية الكافر باغيا بالمعنى اللغوي فمنه قول النبي عليه الصلاة والسلام عن كفار مكة يوم الخندق (إن الأُلى قد بَغَوا علينا:. إذا أرادوا فتنة أبينا) [3] . فوصف الكفار بالبغي.
وأحب أن أنبّه هنا على خطأ آخر في كلام حسن الهضيبي، وهو أنه في دار الإسلام إذا ظَلَم الحاكم المسلم الرعية فإنه
(1) (زاد المعاد) 3/ 62
(2) وهو قول الاستاذ حسن الهضيبي في آخر كتابه (دعاة لاقضاة) ، وفي كتابه (سبعة أسئلة في العقيدة) ط دار الأنصار
(3) الحديث رواه البخاري (4104)