فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 1285

الصحابة العائدين من الحبشة، فيكفي القول بأن الشرائع لم تبلغ النجاشي فلم تجب عليه.

أما القول بأن قومه كان ينكرون عليه ولايقرونه، فهذا محض الظن والتخمين، والذي يهمنا هنا هو التنبيه على أن هذا ليس من الأعذار التي تجيز ترك الحكم بالشريعة، وهذا هو وجه الخطأ في كلامه، وإلا لجاز لأي حاكم ممن يحكمون بالقوانين الوضعية اليوم أن يعتذر بهذا العذر، فيدعي أنه يخشى من قومه أو يخشى من القوى العالمية والدول الكبرى إن هو حكم بالشريعة، فهل هذا عذر مقبول يمنع من تكفيره؟.

أما الأدلة على أن مثل هذه الخشية ليست عذرًا ولا مانعًا من التكفير، فمنها.

1 -قوله تعالى (فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44. فأبطل الله عذر الخوف وخشية الناس في هذا المقام بقوله (فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ) . وإذا كان الحكم بغير ماأنزل الله كفرًا أكبر كما تقدم بسطه، فالكفر لايترخص فيه بالخوف مالم يقع إكراه ملجيء، وهذا غير متصور في حق الحكام لأنهم يفعلون مايفعلون باختيارهم وغاية أحدهم أن يخلع نفسه من الحكم ويتخلى عن الملك إن عجز عن إقامة حكم الله فهذا خير له من أن يظل في مُلكه مقيمًا على الكفر. وقد تقدم الكلام في الفرق بين الخوف والإكراه بآخر مبحث الاعتقاد.

2 -وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) المائدة: 51 - 52، وقد سبق تفصيل القول في هذه الآية عند نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) بمبحث الاعتقاد، وأن الخوف ليس عذرًا للوقوع في الكفر - وهو هنا بسبب موالاة الكفار - فدل على أن الخوف ليس مانعا من التكفير.

3 -وهناك دليل خاص في هذه المسألة، وهو قصة هرقل ملك الروم مع قومه، فلما بلغته رسالة النبي عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإسلام، أراد أن يُسلم، ولكنه خاف من قومه أن يقتلوه كما قتلوا غيره ممن أسلم من أساقفة النصارى، فأراد أن يختبرهم فلم يوافقوه فلم يُسلم. وحديثه متفق عليه، وفي رواية البخاري [ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حِمْص، فلم يَرِمْ حمص حتى أتاه كتابٌ من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي عليه الصلاة والسلام وأنه نبيٌّ، فأذِن هرقل لعظماء الروم في دَسْكرةٍ له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطلّع فقال: يامعشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُشْد وأن يثبُت مُلككم فتبايعوا هذا النبي؟، فحاصوا حَيْصة حُمُر الوَحْش إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت، فلما رأى هرقل نَفْرتهم وأيس من الإيمان قال: رُدّوهم عَلَيّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفا اختبر بها شِدّتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل] [1] .وقصة قتلهم لأسقفهم لما أعلن إسلامه ذكرها ابن حجر في شرحه لهذا الحديث، وقال ابن حجر عن هرقل [وكان يحب أن يطيعوه فيستمر مُلكه ويسلم ويسلموا بإسلامهم، فما أيس من الإيمان إلا بالشرط الذي أراده، وإلا فقد كان قادرًا على أن يفر عنهم ويترك مُلكه رغبة فيما عند الله، والله الموفق] [2] . والشاهد من حديث هرقل أن خوفه من قومه لم يكن مانعا من تكفيره، وسبب كفره ترك الإقرار بالشهادتين، ولم يقع عليه إكراه فقد كان بإمكانه أن يفرّ عنهم كما قال ابن

(1) الحديث (7)

(2) (فتح الباري) 1/ 43

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت