وسعها، كقوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) الأعراف: 42، وقوله (لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا) البقرة: 233، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) الطلاق: 7، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة فقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16، وقد دعاه المؤمنون بقولهم: (رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ) البقرة: 286، فقال: قد فعلت.
فدلت هذه النصوص على أنه لايكلف نفسا ماتعجز عنه، خلافا للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لايؤاخذ المخطئ والناسي، خلافا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب.
فالمجتهد المستدل - من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك - إذا اجتهد واستدل فاتقى الله مااستطاع، كان هذا هو الذي كلّفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه مااستطاع، ولا يعاقبه الله ألبته - إلى أن قال -
وكذلك الكفّار من بلغته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به، وآمن بما أنزل عليه، واتقى الله مااستطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام، لكونه ممنوعا من الهجرة، وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلّمه جميع شرائع الإسلام، فهذا مؤمن من أهل الجنة - إلى أن قال - وكثير من شرائع الإسلام - أو أكثرها - لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد رُوي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ولايصوم شهر رمضان، ولايؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لايمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن. - إلى أن قال - والنجاشي ماكان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لايقرّونه على ذلك. وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا - بل وإماما - وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولايكلف الله نفسا إلا وسعها. - إلى أن قال -
وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لايجب عليه من الشرائع مايعجز عنها بل الوجوب بحسب الامكان، وكذلك مالم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد.
وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير ذلك. ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد باتفاق المسلمين، وإنما اختلفوا في قضاء الصلاة] [1] .
(تنبيه) على خطأ في كلام ابن تيمية السابق:
اشتمل كلام ابن تيمية السابق على صواب وخطأ:
أما الصواب: فهو أن العاجز عن شيء من الشريعة، سواء من جهة عدم التمكن من العلم به أو عدم القدرة على فعله، فهو معذور لا إثم عليه.
وأما الخطأ: فقول شيخ الإسلام إن قوم النجاشي - وهم كفار - كانوا لايُقرّونه على الحكم بالقرآن، وهو لايمكنه مخالفتهم، هذا حاصل كلامه رحمه الله، وهو خطأ، وهذا القول لايُصار إليه في الأصل إلا بعد اثبات بلوغ أحكام الشريعة إليه وأنه لم يلتزم بها بعد البلاغ، ولم يثبت ذلك بنقل صحيح، بل الظاهر خلاف ذلك كما يدل عليه حال
(1) من (منهاج السنة النبوية) 5/ 110 - 123، وهو بعينه موجود في (مجموع الفتاوى) 19/ 215 - 225