2 -والوجه الثاني: أن الصحابي لما بلغه عن غيره من الصحابة أن حكم الله بخلاف رأيه أتى النبي عليه الصلاة والسلام ليتثبت، فلما تيقّن أنه حكم الله سلّم به وخضع له، فهل يخضع هؤلاء الحكام الطواغيت لأحكام الله مع علمهم بها حتى يحتج لهم بمثل هذا الحديث؟. أم أن هذا هو اتباع سنن المغضوب عليهم كما قال (وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة: 42.
الشبهة الخامسة عشرة: أن النجاشي ملك الحبشة كان يحكم بغير ماأنزل الله ولم يكفر، بل مات مسلمًا بدليل صلاة النبي عليه الصلاة والسلام الجنازة عليه.
ويريد صاحب الشبهة بذلك عدم تكفير الحكام المعاصرين الحاكمين بغير ماأنزل الله. وأقول:
أما صلاة النبي عليه الصلاة والسلام الجنازة عليه فثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام خبر موته بالوحي في اليوم الذي مات فيه مع بُعد مابين المدينة والحبشة ولهذا عُدّ خبره من دلائل النبوة كما أخرجه البيهقي، وأشار إليه ابن حجر وقال إن وفاته كانت سنة تسع بعد الهجرة عند الأكثر [1] . ومن ذلك مارواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول عليه الصلاة والسلام نعي لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: استغفروا لأخيكم) [2] . وعنه قال [إن رسول الله عليه الصلاة والسلام صَفَّ بهم في المُصلى فصلّى عليه وكبَّر أربعا] [3] . وروي مسلم عن أنس رضي الله عنه [أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عزوجل، وليس بالنجاشي الذي نعاه لأًصحابه في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصفّ وصلى عليه، بل نجاشيّ آخر تملك بعده] . ولاشك أن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام دليل على إسلامه للنهي عن الصلاة على المشركين وعن الاستغفار لهم كما قال تعالى (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا) التوبة: 84، وقال تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى) التوبة: 113.
وأما أنه - أي النجاشي - حكم بما أنزل الله أو حكم بغير ماأنزل الله، فهذا مالا يمكن اثباته أو نفيه إلا بخبر صحيح في هذه المسألة بعينها، وهو مالا سبيل إليه.
ولكن الثابت الذي يدل عليه مجموع الأحاديث أن المسلمين المهاجرين إلى الحبشة لم تبلغهم بعض الشرائع التي أنزلت في غيبتهم عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الحال بالنسبة للنجاشي أيضا، والمسلم مكلف بما بلغه من الشرع ومالم يبلغه فهو غير مؤاخذ به. وكون النجاشي مات مسلمًا فهذا دليل على أنه فعل مايجب عليه بقدر مابلغه من دين الإسلام سواء كان قد حكم أو لم يحكم بما أنزل الله.
فهل يَقارن حاله بحال هؤلاء الحكام الطواغيت الذين تطالبهم الشعوب المسلمة بتحكيم الشريعة ليل نهار، فما يجدون من الحكام جوابًا إلا القتل والسجن والتعذيب والمؤامرات الدولية والإقليمية لحرب الإسلام والمسلمين باسم مكافحة الإرهاب والتطرف؟. فأين هؤلاء الطواغيت من النجاشي رضي الله عنه؟.
ومدار جواب هذه الشبهة على أن التكليف منوط ببلوغ أحكام الشريعة مع القدرة، فالنجاشي لم تبلغه أو عمل بما بلغه وماقدر عليه منها، أما الحكام المعاصرون فقد بلغهم مايجب عليهم وعلموا المراد منهم فما ازدادوا إلا طغيانا وعُتُوّا.
وفي بيان هذا الأصل قال ابن تيمية رحمه الله [وأيضا فإن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لايكلّف نفسا إلا
(1) انظر (فتح الباري) ج 3/ 188، ج 7/ 191
(2) (حديث 3880)
(3) (حديث 3881)