فهرس الكتاب

الصفحة 1192 من 1285

3 -في الأمور المشتبهة التي يختلط فيها الحلال بالحرام يعمل باطمئنان النفس، كما قال عليه الصلاة والسلام (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) ، فيعمل بالأحوط.

أما مااتضح حكمه وعُلِمَ دليله فلا اعتبار لسكون النفس واطمئنان القلب فيه، كما قال ابن رجب [فأما ماكان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره - إلى قوله - وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله] [1] .

فليس في الحديث حجة لأصحاب الشبهة، والأمر هو كما قال (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) الأحزاب: 36.

الشبهة الرابعة عشرة: شبهة أن أحد الصحابة بدّل حكم الله ولم يحكم النبي عليه الصلاة والسلام بكفره.

والمشار إليه هو ماورد بحديث العسيف الذي زني، والعسيف هو الأجير، والحديث متفق عليه، وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما قالا: جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: انشدُك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقال خصمه - وكان أفقه منه - فقال: صَدَق، اِقض بيننا بكتاب الله وأذن لي يارسول الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (قُلْ) ، فقال: إن ابني كان عسيفًا في أهل هذا، فزني بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال عليه الصلاة والسلام (والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله: المائة والخادم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وياأنيس اغد على امرأة هذا فَسَلْها، فإن اعترفت فارجمها) فاعترفت، فرجمها [2] .

قال صاحب الشبهة [هذا رجل بدّل حكم الله وهو يعلم، ولكنه فعل ذلك إشفاقًا على ابنه، ولم يقصد الكفر بشرع الله، فحكم النبي عليه الصلاة والسلام على الزناة بما يستحقون، ولم يعامل ذلك الرجل بأحكام الكفار] . يريد صاحب الشبهة بذلك أن يدرأ حكم الكفر عن الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية. وليس الأمر كما ظن، والرد عليه من وجهين:

1 -أن الصحابي والد العسيف لم (يبدل حكم الله وهو يعلم) كما قال صاحب الشبهة، بل إنه فعل ما فعله أولا - وهو الافتداء المذكور - برأيه مع جهله بحكم الله، ويدل على جهله: السؤال الذي سأله بعد ما فعله، قال (فافتديت منه ... وإني سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني) .، وبذلك تعارض عند هذا الصحابي قولان: رأيه في الافتداء، وقول غيره من الصحابة بالجلد والرجم، ففعل مايجب عليه عند تعارض الأقوال وهو الترجيح بالرد إلى الله والرسول كما قال تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. فجاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فبيّن له الصواب من الخطأ. وهذا مايجب على كل مسلم إذا تعارضت عنه أقوال المفتين أن يبحث عن الترجيح كما ذكرته بالمسألة السادسة عشرة بأحكام المستفتي بالباب الخامس. وقال ابن حزم رحمه الله [إن هذا الصحابي تضارب عنده خبران فأتى النبي عليه الصلاة والسلام ليتثبت] [3] . فلم يبدّل هذا الصحابي حكم الله وهو يعلم كما زعم صاحب الشبهة الذي لبس الحق بالباطل، بل كان الصحابي يجهل حكم الله عندما قال برأيه.

(1) (جامع العلوم والحكم) ص 222 - 223 - - وراجع ماذكرته في هذا الموضوع بالباب الخامس بهذا الكتاب، وفي (الاعتصام) للشاطبي، ج 2 ص 153 - 163، ط دار المعرفة، وفي (جامع العلوم والحكم) لابن رجب، ص 218 - 225

(2) (حديث 6859، 6860)

(3) انظر (الإحكام) له، 6/ 84

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت