فهرس الكتاب

الصفحة 1191 من 1285

الشبهة الثالثة عشرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز الحكم بغير ما أنزل الله بقوله (استفت قلبك) .

ويقال فيها ماقيل فيما قبلها من اشتمالها على تنقيص النبي عليه الصلاة والسلام والطعن فيه.

وماذا يصنع صاحب هذه الشبهة بقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43، وبقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) الأحزاب: 36. فهل يسأل المسلم أهل الذكر أم يستفت قلبه فيما يجهل حكمه؟، وهل يفعل ماقضى الله ورسوله به أم ما رآه قلبه فيكون قد ضل ضلالا مبينا بنص آية الأحزاب؟.

وقد قدّمت في الرد على هذه الشبهة بهذه التساؤلات ليعلم القاريء أن أهل الزيغ والضلالة - وكما أسلفت القول - لايعجزهم أن يأتوا بنص آية أو حديث يستدلون به على الباطل بل على الفسق والكفر، وقد ضربت أمثلة لذلك عند الكلام في الترجيح في القسم الخامس من أحكام المفتي بالباب الخامس. ولكن عند جمع النصوص يظهر من ضل ومن اهتدى.

وفي حق الحاكم والقاضي قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: 49، وقال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، فهل يحكم بما أنزل الله، أم يحكم بما رآه قلبه وإن خالف ماأنزل الله فيكون كافرًا؟ وهل يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بذلك؟.

والحق أنه لاتعارض بين كل النصوص السابقة سواء مايلزم الحاكم والقاضي والمفتي منها أو ما يلزم العامي، وإنما يجب الجمع بين هذه النصوص وإعمال كل منها في موضعه لدفع التناقض بين نصوص الشريعة، فإنها لاتتناقض في ذاتها، وإنما يقع التناقض في فهم بعض الناس لها. قال تعالى (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء: 82.

أما الحديث الذي استدل به أصحاب هذه الشبهة فهو حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه وفيه قال: أتيت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال (جئت تسأل عن البر والإثم؟) قلت: نعم قال (استفت قلبك، البر مااطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ماحاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) قال النووي في الأربعين: [حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.، وقال ابن رجب الحنبلي: ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه - إلى أن قال - وقد روي هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة.] [1] .

وهذا الحديث قد ذكرته في عدة مواضع بالباب الخامس من هذا الكتاب (أحكام المفتي والمستفتي وآدابهما) وذكرت هناك المواضع التي ُيعمل فيها بهذا الحديث، ومنها:

1 -مسألة إذا لم يجد المستفتي أحدًا يفتيه ألبته. (في مراتب المفتين بأحكام المفتي، وفي المسألة السابعة بأحكام المستفتي) . وأن قول ابن القيم أنه يتحرى الحق فإن للحق أمارات. فهنا يستفت قلبه إذا لم يجد من يفتيه البته.

2 -مسألة هل فتوى المفتي مُلزمة للمستفتي؟ (وهي المسألة الخامسة عشرة بأحكام المستفتي) . وأنها ملزمة له ديانة بشروط ثلاثة راجعها هناك. وأنه يتوقف في قبول الفتوى إذا شك في علم المفتي وديانته أو إذا علم أن الأمر في الباطن والحقيقة بخلاف ماورد في الاستفتاء فأفتاه المفتي بالحِلّ والجواز وهو حرام عليه في الباطن.

(1) (جامع العلوم والحكم) ص 219

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت