أنزلهم على حكمك).
وهذه الشبهة تلحق بما قبلها في اشتمالها على تنقيص النبيص، وأنه أجاز الحكم بغير ماأنزل الله، أي أجاز الكفر، ومن أجاز الكفر فهو كافر، فكيف يسوغ هذا الظن وهو عليه الصلاة والسلام إنما جاء بالإيمان بالله وحده والكفر بالطاغوت؟.
وهذه الشبهة تدل على وفور جهل صاحبها، والحديث المشار إليه هو حديث بريدة بن الحصيب المشهور في الغزو، وفيه قال بريدة (كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كَفَر بالله - إلى قوله - وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لاتدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟) [1] .
وهذا النص لايدل على إجازة الحكم بغير ماأنزل الله، وإنما يدل على أن المجتهد قد يصيب وقد يخطيء، وإصابته معناها أن يوافق حكمه في مسألة ٍ ما حكمَ الله فيها، وخطؤه أن يخالف حكمه حكمَ الله فيها. كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [2] .
ولهذا كان من آداب المفتي، كما قال ابن القيم: [ينبغي ألا ينسب المفتي الحكم إلى الله إلا بنصٍ ... لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلّ كذا أو حرّمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو كراهته] [3] ، ونقلت هذا في أحكام المفتي بالباب الخامس بهذا الكتاب.
ولهذا فإن قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المستدل به هو كما قال الشوكاني في شرحه [هذ النهي محمول على التنزيه والاحتياط، وكذلك الذي قبله، والوجه ماسلف، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «فإنك لاتدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟» ] .
والأمر كما قال ابن القيم، فإن الأقضية التي تعرض للحاكم (القاضي) والمسائل التي تعرض للمفتي، بعضها تكون واضحة وحكمها ورد منصوصًا عليه فهذه يجوز الجزم بأن الحكم أو الفتوى فيها هو ماقضى به الله، وبعضها تكون خفية وحكمها يعرف بالاستنباط من النصوص أو بالقياس عليها، فهذه لايجوز الجزم بأن الحكم أو الفتوى فيها هو حكم الله.
ولهذا فإن حديث بريدة لاحجة فيه على إجازة الحكم بغير ماأنزل الله، وينبغي فهمه بجمعه مع غيره من الأدلة الدالة على أن الأصل في الحاكم أن يكون مجتهدًا، وأنه يجب عليه أن يحكم بما أنزل الله، وأن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، هذا هو صنيع الفقهاء: أن يجمع النص مع غيره من النصوص، ويردّ المتشابه إلى المحكم، ويعمل بالخاص في موضعه والعام في موضعه، ونحو ذلك. أما أهل الزيغ والضلال فيعمد أحدهم إلى نص يُحَمِّله مالا يحتمل من المعاني ليضل الناس بغير علم كما قال تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ) آل عمران: 7، وقد قال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) الإسراء: 82.
(1) الحديث رواه مسلم
(2) الحديث متفق عليه
(3) انظر (اعلام الموقعين) 4/ 175