ولم يكفر من حرّم الحلال من الصحابة.
وهذه الشبهة أيضا فيها تنقيص للنبي عليه الصلاة والسلام، ويقال فيها ماقيل فيما سبقها.
ويشير أصحاب هذه الشبهة إلى ماورد في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) التحريم: 1 - 2، وفي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) - إلى قوله - (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) المائدة: 87 - 89.
والرد على هذه الشبهة يكون بمعرفة أن تحريم الحلال يأتي على أربعة أوجه، منها ماهو كفر ومنها ماليس كذلك:
-الوجه الأول: التحريم على وجه التشريع، كالذي قصَّه الله عن أهل الجاهلية من النسيء وتحريم بعض الأنعام بحبسها على الطواغيت. كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) التوبة: 37، وكما قال تعالى (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) المائدة: 103، فهذا تحريم على وجه الإلزام للنفس وللغير، وهذا هو التشريع المكفِّر المخالف لشرع الله.
-الوجه الثاني: مجرد ترك الشيء لأن النفس تكرهه أو لاحاجة لها فيه.
-الوجه الثالث: تحريم الشيء على النفس بنذرٍ، بأن ينذر لله ألا يفعل بعض المباح.
-الوجه الرابع: تحريم الشيء على النفس بيمين، بأن يحلف على ألا يفعل بعض المباح.
والوجهان الثالث والرابع كانا مشروعين في شرع من قبلنا، أن يحرم المرء على نفسه الشيء فلا يجوز له أن يفعله، ومن هذا الباب ماحكى الله تعالى عن يعقوب عليه السلام (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ) آل عمران: 93. ثم نُسِخ هذا في شريعتنا فصار لايجوز للمرء أن يحِّرم الحلال على نفسه للآيات السابقة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ) وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ ... ) ، ومن فعل شيئا من ذلك بنذرٍ أو يمين، وجب عليه أن يكفِّر عن يمينه ويأتي الذي حرّمه على نفسه.
والذي يدل على أن التحريم في الآيات التي استدل بها أصحاب هذه الشبهة كان من باب التحريم بنذر أو يمين وليس على وجه التشريع: أن الآيتين اللتين استدلوا بهما قد أعقب الله النهي عن التحريم فيهما بذكر كفارة اليمين:
فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ) - إلى قوله - (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) .
وقال تعالى (لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ) - إلى قوله - (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ)
فليس فيما استدلوا به حجة على إباحة التحريم والتحليل على وجه التشريع والذي لم يصف الله فاعله بغير الكفر، فقال تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) التوبة: 37،
وقال تعالى (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) المائدة: 103. [1] .
الشبهة الثانية عشرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز الحكم بغير ماأنزل الله بقوله (فلا تنزلهم على حكم الله ولكن
(1) والوجوه الأربعة للتحريم المذكورة هنا ذكرها الشاطبي وفصّل القول فيها في كتابه (الاعتصام) ج 1 ص 323 ومابعدها. ونقلها عنه الأستاذ عبدالمجيد الشاذلي وزاد عليها وجهًا خامسًا في كتابه (حد الإسلام) ص 342 ومابعدها