فهرس الكتاب

الصفحة 1188 من 1285

ثالثا: أنه قد أقيم عليه الحد كغيره ممن صرح بالإفك ومما يدل على ذلك ما أخرجه الطبراني بسنده عن سعيد بن جبير أنه قال: (جلد النبي عليه الصلاة والسلام حسان بن ثابت وعبدالله بن أبيّ ومسطحا وحمنة بنت جحش كل واحد ثمانين جلدة في قذف عائشة ثم تابوا من بعد ذلك غير عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين مات على نفاقه) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد) 7/ 80.

وذكر ابن حجر أن الحاكم أخرج في «الأكليل» من رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبدالله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلا أن ابن أبيّ ممن جلد الحد [1] .

والظاهر أن هذا القول أرجح لأمرين:

أولا: لثبوت إقامة الحد على ابن أبيّ في الروايتين السابقتين وإن كان من طرق كلها مرسلة إلا أنه يقوى بعضها بعضا.

ثانيا: لأنه قد ثبت في الحديث السابق الذي أخرجه أصحاب السنن أن النبيص أقام الحد على الثلاثة المذكورين ولايمكن شرعا أن يقيم الحد على بعض القذفة ويترك البعض الآخر.

أما القول بأنه عليه الصلاة والسلام ترك إقامة الحد على ابن أبيّ لأنه مطاع في قومه فربما حصل بسبب ذلك فتنة فهو مردود، لأنه إما أن يكون كافرا قد أعلن كفره فيجب قتله ردة ولن يثور لقتله ثائر لأنه مرتد، وإما أن يكون مظهرًا الإسلام فلابد من إقامة الحدود عليه إذا ارتكب جريمة كغيره من المسلمين ولن يثور لذلك ثائر، وقد كان ابن أبيّ ممن يظهر الإسلام نفاقا فلذلك لم يقتله النبي عليه الصلاة والسلام بالرغم من ظهور أمارات الكفر عليه واقتناع النبي من ذلك حتى لايتحدث الناس أنه يقتل أصحابه كما سبق، أما أن يترك إقامة الحد خوفا من قومه فهذا مالا يمكن وقوعه لأن كونه مظهرا الإيمان يستلزم إقامة الحد عليه إذا عصى.

ثم من هم قومه الذي سيثورن له؟ أليسوا من المؤمنين؟ وهل يثور المؤمنون إذا أقيم حد الله على واحد منهم بحق وإن كان شريفا فيهم؟ هذا مالا يمكن أن يقع أبدا من مؤمن حقا، أما تركه قتله مع ظهور نفاقه فإنه يختلف عن هذا لأنه يظهر الإيمان فحقن بذلك دمه فليس هناك سبب ظاهر يستوجب قتله، وقد قتل النبي عليه الصلاة والسلام سويد بن الصامت حدًا لقتله المجذر بن زياد البلوي كما سبق فلم ينكر ذلك أحد من قومه.

والرسول عليه الصلاة والسلام هو أول من أنكر على الأمم السابقة إقامة الحد على ضعفائهم وترك إقامته على أشرافهم، كما أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها في حديث المخزومية التي سرقت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» .

فكيف ينكر عليه الصلاة والسلام شيئا ثم يرتكبه؟ هذا مالا يمكن حدوثه ولايليق بمقام النبوة.] [2] .

وحاصل الروايات المختلفة: أن ابن سلول إما أنه لم يُقم عليه الحد لأنه عَرَّض ولم يُصرّح بالقذف، وإما أنه أقيم عليه الحد كغيره. فسقطت بذلك هذه الشبهة. أما لماذا لم يقتله النبي عليه الصلاة والسلام على النفاق؟ فقد سبق جواب ذلك في مبحث الاعتقاد عند الكلام في ثبوت الردة بشرح قاعدة التكفير.

الشبهة الحادية عشرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام وبعض الصحابة حَرّموا الحلال ولم يكفر أحد بذلك.

ويريد أصحاب هذه الشبهة أنه إذا كانت القوانين الوضعية تحل الحرام وتحرم الحلال فلماذا يكفر واضعها والحاكم بها،

(1) (فتح الباري) 8/ 481

(2) من كتابه (المنافقون في القرآن) ص 294 - 296، ط دار المجتمع 1409هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت