خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) النحل: 126، وكقوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) آل عمران: 128. ونحوها من المواضع، والمسألة معروفة بكتب الأصول وبوّب عليها البخاري أيضا في كتاب الاعتصام من صحيحه على الآية الأخيرة. والمقصود أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُعاتب بشيء فيما يخص ابن سلول فدّل على أن فِعْله معه كان صوابًا وحقًا، سواء كان قد أقام عليه الحد أو لم يُقِمْه، خاصة وأن الأخبار قد تعارضت في هذا تعارضا يُسقط الاحتجاج بها.
وذلك أنه في حادثة الإفك عَرَّض ابن سلول بقذف السيدة عائشة رضي الله عنها، ولم يصرح، ومن المعلوم في الفقه أن القذف له ألفاظ صريحة وله كنايات، والكناية وهي التعريض لا يؤاخذ بها إلا مع النية أو قرائن الحال، وتلقي هذا التعريض آخرون عن ابن سلول وأشاعوه تصريحًا به.
وانقل ماورد بشأن إقامة حد القذف على الذين وقعوا في قذف عائشة رضي الله عنها عن الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي فإنه لخّصه تلخيصًا جيدًا في كتابه (المنافقون في القرآن) فقال [وقد اختلف العلماء في الذين صرحوا بالإفك هل أقام عليهم النبي عليه الصلاة والسلام الحد أم لا على ثلاثة أقوال:
أولا: أنه لم يقم الحد على أحد منهم لأن الحد لايثبت إلا ببينة أو إقرار، ولم يحصل شيء من ذلك وبهذا قال الماوردي كما ذكر ابن حجر [1] .
ثانيا: أنه قد أقيم الحد عليهم جميعا إلا عبدالله بن أبيّ وبهذا قال ابن القيم [2] .
ومما يستدل به لهذا القول ماأخرجه الترمذي قال: حدثنا بندار أخبرنا ابن أبي عدي عن محمد بن اسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما نزل عذري قام رسول الله عليه الصلاة والسلام على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حَدّهم» هذا حديث حسن غريب لانعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.
وأخرجه ابن ماجة بهذا السند كما أخرجه أبو داود من طريقين عن محمد بن إسحاق به، إحداهما مرسلة وفيها: (فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح ابن أثاثة، قال النفيلي: ويقولون إن المرأة حمنة بنت جحش) .
فهذا الحديث فيه التصريح بأن الذين أقيم عليهم الحد ثلاثة، وفي الرواية المرسلة التي أخرجها أبو داود أنهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وليس فيه ذكر لابن أبيّ.
وقد قيل في التعليل لعدم إقامة الحد عليه أنه لم يصرح بالقذف بل كان يجمع الحديث ويستخرجه بالبحث عنه، وممن قال بذلك القاضي عياض كما ذكر ابن حجر [3] .
وقيل إن النبي عليه الصلاة والسلام ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه خوفا من وقوع الفتنة بسببه لأنه مطاع في قومه.
وقيل إنما ترك حده لأن الحدود تقام على المؤمنين تكفيرا لذنوبهم وابن أبيّ قد ثبت نفاقه فليس مؤمنا حتى يقام عليه الحد. ذكر هذين القولين ابن القيم ورجح الثاني. (زاد المعاد) 2/ 115.
(1) (فتح الباري) 8/ 479
(2) (زاد المعاد) 2/ 114 115
(3) (فتح الباري) 8/ 481