فهرس الكتاب

الصفحة 1186 من 1285

الله قوله (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران: 81. فجميع النبيين أقروا أنه إذا بعث محمدٌ عليه الصلاة والسلام في حياتهم ليتبعونه، فكيف يتبع محمد شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام؟.

وسبب هذه الشبهة ماورد في إحدى روايات حديث رجم اليهوديين اللذين زنيا، وفيها قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرُجِماَ) [1] ، والرد على هذا الحديث من وجهتين:

الأولى: أن هذه الرواية ليست مما يحتج بها، فقد ذكر ابن حجر أن في سندها رجل مبهم [2] .

الثانية: أنها إذا صحت هذه الرواية فإنه ينبغي فهمها على أساس ماذكرنا من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بالإسلام، وينبغي رد المتشابه إلى هذا المحكم، فيكون معنى قوله (فإني أحكم بما في التوراة) أي بمثل ماورد فيها في حكم هذه المسألة، ولا يكون هذا متابعة منه للتوراة بل تصويبًا لما ورد فيها في ذلك وأن هذا مما أنزله الله فيها ليس مما بدّلوه. وهذا ماذكره ابن كثير في كلامه عن هذه الرواية فقال [فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله عليه الصلاة والسلام حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لامحالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عزوجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على مابأيديهم مما تواطؤا على كتمانه] [3] .

وقال ابن تيمية رحمه الله [وهو عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: 49] [4] . وقال أيضا [إذ كان المسلمون متفقين على أنه لايجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في القرآن - إلى أن قال - وإذا كان من المعلوم بالكتاب والسنة والإجماع، أن الحاكم بين اليهود والنصارى لايجوز أن يحكم بينهم إلا بما أنزل الله على محمد عليه الصلاة والسلام، سواء وافق ما بأيديهم من التوراة والإنجيل أو لم يوافقه] [5]

الشبهة العاشرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم بما أنزل الله في إقامة حد القذف على عبدالله بن أبَيّ بن سلول.

وهذه أيضا من الشبهات التي يكفر قائلها لأن فيها تنقيص للنبي عليه الصلاة والسلام باتهامه بأنه لم يحكم بما أنزل الله. وهو عليه الصلاة والسلام القائل لأسامة بن زيد (أتشفع في حدٍ من حدود الله تعالى، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها) [6] .

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد في بعض الأمور برأيه ولكنه كان لايُقر على خطأ، ومن هنا عاتبه الله في بعض الأمور، كقوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ

(1) الحديث رواه أحمد وأبو داود

(2) (فتح الباري) 12/ 170 - 171

(3) (تفسير ابن كثير) 2/ 59، ولابن حجر مثله في (فتح الباري) 12/ 170 - 171، ولابن قدامة مثله في (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 130

(4) (مجموع الفتاوى) 4/ 111

(5) (منهاج السنة النبوية) 5/ 508 - 509.

(6) الحديث متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت