أن هذا النص الدستوري لايترتب عليه أي إلزام للحكومات بالحكم بأحكام الشريعة.
3 -أنه لو افترضنا أن هذا النص الكفري يترتب عليه التزام الحكم بالشريعة، فإن هناك نصًا دستوريا آخر يناقضه تماما، ويعبّر عن الواقع القائم، وهو النص على أن (الحكم في المحاكم بالقانون) .
والحاصل: أن من ظن أن هذا النص الدستوري - (مباديء الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع) - يدرأ الكفر عن هؤلاء الحكام فقد أخطأ، بل إن هذا النص مما يدينهم ويدمغهم بالكفر لأنه نص ضمنيًا على اتخاذ مصادر للتشريع غير شريعة الله.
الشبهة الثامنة: وهي أن يوسف عليه السلام عمل لملك مصر، بما يعني أنه حكم بشريعة هذا الملك الكافر.
ويريد قائل الشبهة أن يوسف لم يكفر مع هذا، فلماذا يكفر الحكام بذلك؟
وكنت قد ذكرت في نقد (الرسالة الليمانية) بمبحث الاعتقاد أن قائل هذه الشبهة يكفر لأنها تنقيص للأنبياء عليهم السلام يدخل في حكم سبّهم. قال ابن تيمية رحمه الله [لاخلاف أن من سَبَّ النبي عليه الصلاة والسلام أو عَابَه بعد موته من المسلمين كان كافرًا حلال الدم، وكذلك من سبّ نبيًا من الأنبياء] [1]
وقد ذكرت في النقد المشار إليه بآخر مبحث الاعتقاد الرد على هذه الشبهة، وحاصله: أن الإجماع قد انعقد على عصمة الأنبياء من الكفر ومن الكبائر، كما ذكره القاضي عياض في (الشفا) ، والجمهور على عصمتهم من الصغائر أيضا.
والحكم بشريعة الكفار كفر، ولابد أن يكون يوسف عليه السلام معصومًا منه، فدل هذا على أنه لم يحكم بشريعة الكفار.
كما أن الحكم بشريعة الكفار هو حكم بالطاغوت وتحاكم إليه، ويوسف عليه السلام معصوم من هذا، لأن الله قد بعث سائر الرسل باجتناب الطاغوت والكفر به، كما قال (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، فهل أمر يوسف باجتناب الطاغوت ولم يجتنبه؟
والصحيح - كما ذكرت في مبحث الاعتقاد - أن يوسف عليه السلام كان مُمَكَّنا مفوّضًا يجري الأمور على اجتهاده وفق شريعته وشريعة أبيه يعقوب عليهما السلام، ولهذا استرق أخاه بنيامين وكان هذا هو حكم السارق في شريعتهم.
الشبهة التاسعة: شبهة أن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بغير شريعة الإسلام - بالتوراة - فيجوز ذلك لأمته من بعده.
وهذه أيضا من الشبهات التي يكفر قائلها، لما فيها من غمز النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال ابن حزم رحمه الله إن من قال إن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بين اليهوديين اللذين زنيا بحكم التوراة المنسوخة فهو مرتد [2] .
وسبب الردة هنا: هو مخالفة هذا القول للنصوص الدالة على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بشريعة الإسلام، وأن القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع كقوله تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: 48. وقال عليه الصلاة والسلام (لو كان موسى حيًا ماوسعه إلا اتباعي) [3] ، فكيف يتبع النبي عليه الصلاة والسلام كتاب موسى مع هذا؟، ومصداق هذا الحديث من كتاب
(1) (الصارم المسلول) ص 226.
(2) انظر (الإحكام في أصول الأحكام) له، 2/ 104
(3) الحديث رواه أحمد والدارمي