فهرس الكتاب

الصفحة 1203 من 1285

في شيء أتوني فحكمت بينهم، فَرَضِيَ كلا الفريقين. قال: ما أحسن هذا!) (وتحاكم عمر وأُبَيُُّ إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم، ولم يكن أحد منهما قاضيا) - قال في المتن - (ويَرْفَعُ الخلافَ، فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق) - قال في الشرح - لأن من جَازَ حكمُه لَزِمَ كقاضي الإمام] [1] .

2 -وفَصَّل ابن قدامة الحنبلي هذه المسألة في كتابه الكافي [2] ، وفي كتابه المغني [3] ، وإليك كلامه في المغني:[ (فصل) وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حَكَّماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما، جاز ذلك ونفذ حكمُه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان (أحدهما) لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما، لأن حكمه إنما بالرضى به ولايكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه.

ولنا ما روى أبو شريح رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال له (إن الله هو الحَكَم فلِم تُكَنَّى أبا الحكم؟) قال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكَمْتُ بينهم ورَضِىَ عَلَيَّ الفريقان، قال: ماأحسن هذا فمن أكبر ولدك؟: قال شريح قال: فأنت أبو شريح) أخرجه النسائي.

ورُوِي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال «من حَكَم بين اثنين تَراضَيَا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون» ولولا أن حكمه يلزمهما لما لَحِقَه هذا الذم. ولأن عمر وأُبَيًّا تحاكما إلى شريح رضي الله عنهم قبل أن يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم ولم يكونوا قضاة.

فإن قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا. قلنا لم ينقل عنهما إلا الرضى بتحكيمه خاصة وبهذا لايصير قاضيا، وما ذكره يَبْطل بما إذا رضي بتصرف وكيله فإنه يلزمه قبل المعرفة به، إذا ثبت هذا فإنه لايجوز نقض حكمه فيما لايُنْقَض فيه حُكم من له ولاية. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: للحاكم نقضه إذا خالف رأيه لأن هذا عقد في حق الحاكم فمَلَك فسخه كالعقد الموقوف في حقه.

ولنا أن هذا حكم صحيح لازِمٌ فلم يجز فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية، وما ذكروه غير صحيح فإن حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا؟ ولو كان كذلك لمَلَكَ فسخه وإن لم يخالف رأيه ولانسلم الوقوف في العقود.

إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخَصْمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم لأنه لايثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان (أحدهما) له ذلك لأن الحكم لم يتم أشبه قبل الشروع (والثاني) ليس له ذلك لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحَكَم مالا يوافقه رجع فبطل المقصود به.

(فصل) قال القاضي: وينفذ حُكْمُ من حَكَّماه في جميع الأحكام إلا أربعة أشياء: النكاح واللعان والقذف والقصاص لأن لهذه الأحكام مَزِيَّة على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه، وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا كتب هذا القاضي بما حَكَمَ به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه، لأنه حاكم نافذ الأحكام، فلزم قبول كتابه كحاكم الإمام] [4] .

• وقال ابن قدامة في (الكافي) [واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم. فقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أن

(1) . (منار السبيل شرح الدليل) ج 2 ص 459 ط المكتب الإسلامي 1404ه، وحديث أبي شريح حديث حسن رواه أبو داود والنسائي

(2) (ج 4 ص 436 ط المكتب الإسلامي 1402 هـ)

(3) (المغني والشرح الكبير ج 11 ص 483 - 484)

(4) انتهى كلام ابن قدامة في (المغني) . ومانقله عن القاضي - أبى يعلى - فيما يجوز فيه التحكيم ومالا يجوز يوافق ماذكره القاضي ابن فرحون المالكي في (تبصرة الحكام) 1/ 62

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت