تحكيمه يجوز في كل ماتحاكم فيه الخصمان، قياسا على قاضي الإمام. وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال خاصة، فأما النكاح والقصاص، وحد القذف فلا يجوز التحكيم فيها لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر للحكم فيها قاضي الإمام كالحدود] [1] .
3 -وقال إمام الحرمين الجويني [وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في أن من حَكَّم مجتهدا في زمان قيام الإمام بأحكام أهل الإسلام، فهل ينفذ ماحَكَم به الحَكَم؟ فأحد قوليه، وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه ينفذ من حكمه ماينفذ من حكم القاضي الذي يتولى منصبه من تولية الإمام. وهذا قول متجه في القياس، لست أرى الإطالة بذكر توجهه] [2] .
4 -وجاء في كتاب (فتح القدير شرح الهداية) للأحناف [إذا حَكَّم رجلان رجلًا فحكَمَ بينهما ورضيا بحكمه جاز) لأن لهما ولاية على أنفسهما فصحّ تحكيمهما وينفذ حكمُه عليهما، وهذا إذا كان المحَكَّم بصفة الحاكم - بأن يكون أهلا للشهادة - لأنه بمنزلة القاضي فيما بينهما فيشترط أهلية القضاء، ولايجوز تحكيم الكافر والعبد والذميّ والمحدود في القذف والفاسق والصبي لإنعدام أهلية القضاء اعتبارا بأهلية الشهادة، والفاسق إذا حَكَم يجب أن يجوز عندنا - الحنفية - كما مر في المُوَلَّى - أي القاضي الذي يوليه السلطان (ولكل واحد من المحكمين أن يرجع مالم يحكم عليهما) لأنه مُقلَّد من جهتهما فلا يحكم إلا برضاهما جميعا (وإذا حكم لزمهما) لصدور حكمه عن ولاية عليهما (وإذا رفع حكمه إلى القاضي فوافق مذهبه أمضاه) لأنه لافائدة في نقضه ثم في إبرامه على ذلك الوجه (وإن خالفه أبطله) لأن حكمه لايلزم لعدم التحكيم منه - أي من القاضي - (ولايجوز التحكيم في الحدود والقصاص) لأنه لا ولاية لهما على دمهما ولهذا لايملكان الإباحة، فلا يستباح برضاهما، قالوا وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات] [3] ، وقال أيضا [وإذا رُفِعَ إلى القاضي حُكْمُ حاكم ٍ أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع بأن يكون قولًا لا دليل عليه] [4] .
5 -وفي تفسير أبي بكر بن العربي المالكي لقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، ذكر تحاكم اليهود إلى النبي عليه الصلاة والسلام برضاهم وأن حكمه نفذ عليهم، فقال [المسألة السادسة: لما حَكَّموا النبي عليه الصلاة والسلام أنفذ عليهم الحكم، ولم يكن لهم الرجوع، وكل من حَكَّم رجلًا في الدين فأصله هذه الآية. قال مالك: إذا حَكَّم رجلٌ رجلًا فحكمُه ماض ٍ، وإن رُفِعَ إلى قاض ٍ أمضاه إلا أن يكون جورًا بيِّنًا. وقال سحنون: يمضيه إن رآه. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكُم فيها إلا السلطان. والضابط: أن كل حق اختص به الخَصْمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكّم به. - إلى قوله - وتحقيقه أن الحكم بين الناس إنما هو حقهم لاحق الحاكم، بَيْدَ أن الاسترسال على التحِكيم خرمٌ لقاعدة الولاية ومُؤَد ٍ إلى تهارُج الناس تهارج الحُمُر، فلابد من نصبِ فاصل ٍ، فأمَرَ الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهَرَج، وأَذِنَ في التحكيم تخفيفًا عنه وعنهم في مشقة الترافع، لتتم المصلحتان وتحصل الفائدتان] [5] ، أن تحاكم اليهود إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقع برضاهم لأن الحكم بينهم كان من حق أساقفتهم (الأحبار) . وذكر الطبري مثله في تفسير قوله تعالى (فَإِن جَآؤُوكَ
(1) «الكافي» لابن قدامة ط المكتب الإسلامي ج 4 ص 436
(2) (الغياثي) ط 2 تحقيق د. عبدالعظيم الديب 1401هـ ص 389
(3) (فتح القدير) 5/ 499
(4) (فتح القدير) 5/ 487
(5) (أحكام القرآن) لابن العربي ص 622 - 623. هذا وقد ذكر ابن العربي في (ص 621)